Français


الأيام الدراسية البرلمانية الرابعة حول الدفاع الوطني

منذ استقلال الجزائر، اقترن مفهوم الدفاع الوطني بمعنى ضمان أمن وسلامة التراب الوطني والمواطنين ضد مختلف أشكال الاعتداء، وهو المعنى الذي كرسته النصوص التأسيسية للدولة الجزائرية.

والواقع أن هذا شأن أي دولة حديثة مثل الجزائر، وهو المنحى الذي اتخذته، ولمدة طويلة دول عريقة وهي لا تزال كذلك، باعتبار ذلك أمر تفرضه ديمومة الدولة.

إلا أن مفهوم الدفاع، وعلى غرار الكثير من المفاهيم الأخرى، وبالموازاة معها، قابل للتطوير.

فالتحولات المتعددة الأبعاد الجارية وكذا تعقيدات العالم الناجمة عنها تؤثر بقوة على الدولة ومهامها ومن ضمن ذلك مفهوم الدفاع الوطني نفسه.

وإضافة إلى ذلك، فقد ظهرت اعتبارات أخرى مرتبطة بمخاطر وتهديدات ذات طابع اقتصادي.

وإذا كانت انشغالات الدفاع على مستوى الدولة مرتبطة بقدراتها الاقتصادية، فإن تكريس مفهوم الدفاع الاقتصادي ينصب على كل قضايا الدفاع التي لها صلة مباشرة أو غير مباشرة باقتصاد الدولة.

ومن البديهي أن مفهوم الدفاع الاقتصادي يندرج ضمن إطار الدفاع الوطني الذي هو جزء منه، وبعبارة أخرى، فإن التأمل في هذه الفكرة يستوجب التنسيق مع باقي أبعاد الدفاع الوطني الأخرى وبصورة أدق فإن المقارنة الشاملة هي الرد المناسب على المخاطر والتحديات المختلفة القائمة اليوم والمتوقعة غدا. ولم تكن مثل هذه المقارنة لتخفى على لجنة الدفاع الوطني لمجلس الأمة خلال الطبعات الثلاث الأولى للأيام الدراسية التي خصصت لبعض جوانب الدفاع الوطني . وهو الإطار نفسه الذي تندرج فيه هذه الأيام البرلمانية المخصصة للدفاع الاقتصادي التي يسعى من خلالها التعمق في دراسة مختلف القضايا التي يثيرها الموضوع.

إن مثل هذا الطرح يمكن تناوله انطلاقا من بعض التساؤلات حول المفهوم نفسه وتداعياته بصفة عامة وحول واقعه في الجزائر وآفاق تطوره على ضوء التحولات الداخلية والخارجية.

إن مفهوم الدفاع الوطني في تطور مستمر بحكم تعدد معاينه، غير أنه ولمقتضيات الأيام الدراسية هذه، ينبغي تحديد الإطار العام الذي يندرج فيه هذا الموضوع.

ولهذا الغرض، فهل يمكننا الانطلاق من تعريف مسبق ومجرد لمفهوم الدفاع الاقتصادي، وهل يمكن أن نتصور تعريف أولي لهذا المفهوم يمكن أن يليق لكل زمان ومكان؟

ألا توجد أهداف حتمية من شأنها التأثير على مضمون هذا المفهوم؟ ما هي الصلة التي يمكن تصورها بين هذا المعنى والمصالح الحيوية للدول؟

إن التحليل المقارن يسمح باستخلاص بعض العبر وإظهار الطابع المتطور لمفهوم الدفاع الاقتصادي وقد تم في أول الأمر تعريف هذا المفهوم بأنه يهدف إلى تأمين البلاد من المخاطر المحتملة، في وقت السلم، ووضع الآليات اللازمة لتوفير الإنتاج وضمان تنقل الموارد وتوزيعها ،وقت الأزمات.

وإنطلاقا من هنا،فان لنا أن نتساءل عن جدوى هذه الفرضية وعن مدى ملاءمتها  مع واقع الجزائر اليوم و/أو عن ضرورة تجاوزها. وفي ظل هذا الطرح الأولي فإن التركيز ينصب بصفة خاصة على الوقاية من المخاطر في مختلف الميادين والنشاطات كالإبقاء على التسيير الحسن للمصالح العمومية المتصلة بالحياة الوطنية وكذا الدفاع (توزيع الموارد، النقل، الاتصال...)

ب - وانطلاقا من هذه التساؤلات، التي وان اكتست طابعا نظريا ومجردا تبقى ضرورية، فإنه يتعين على الأيام الدراسية هذه أن تولي الأهمية اللازمة لواقع الجزائر الراهن.

وفي الحقيقة فليس هناك نص قانوني عام يتناول هذه المسألة، غير أن ذلك لا ينبغي أن يفهم منه أن ثمة فراغ، إذ أن مثل هذا الاستنتاج هو من قبيل التسرع والخطأ.

إن الوقوف على وضع الجزائر الحالي من شانه التمكين من البحث عن العناصر التي ستساهم، بصفة عملية، في تحديد نطاق التصور الجزائري الحالي لمبدأ الدفاع الاقتصادي، وهي العملية التي تمر حتما عبر دراسة الجوانب القطاعية للدفاع الاقتصادي.

وقد يكمن أحد أهداف هذه الأيام الدراسية، مثل ما كان الشأن بالنسبة للدفاع المدني، في مسألة المرور من المنطق القطاعي للدفاع الاقتصادي إلى وضع تصور شامل له. وكما أن أحد هذه الأهداف يكمن  بطبيعة الحال  في استشراف المستقبل وتصور أفاق تطور مفهوم الدفاع الاقتصادي في الجزائر.

جـ - تتجلى،هنا ايضا، الجدوى من التحليل المقارن، إذ انه  يبين أن التحولات التكنولوجية الحالية تبرز ملامح جديدة لمفهوم الدفاع الاقتصادي وتساعد على تطوير محتواه.

وتكمن هذه الملامح في ظهور ممارسات جديدة تجمع تحت تسميته "الذكاء الاقتصادي".

إن الأيام الدراسية هذه لا ينبغي أن تقتصر على أتباع التقليد الذي انتشر خلال العشرية الأخيرة إذ ينتظر منها، القيام  بتحسيس السلطات العمومية بمفهومها الواسع وكذا المؤسسات الساهرة على المصالح الحيوية للأمة، بضرورة انتهاج طريقة عمل وبعث ذهنية جديدة هدفها تحسين القدرة التنافسية للمؤسسات.

أن هذه العملية تمر حتما عن طريق جمع المعلومات ومعالجتها والتحكم في المعارف الضرورية لهذه المؤسسات.

وفي الأخير، فمن شأن هذه الأيام الدراسية التمكين من تحديد وابراز المصالح الاقتصادية والعلمية لبلادنا،

تلكم هي بعض المحاور، وليست كلها، التي يمكن أن تشكل الإطار العام لهذه الأيام الدراسية وليس الغرض من هذه المذكرة سوى المساعدة على طرح إشكالية هذا الملتقى الذي يجمعنا اليوم، والذي يهدف إلى وضع إستراتيجية للدفاع الوطني تتمحور حول بعض المسائل ذات الأولوية، منها دور الدولة في أداء مهامها بصفتها الضامن لاستقرار المتعاملين الاقتصاديين أو على الأقل استقرار المؤسسات الكبرى التي تنشط في المجالات الحيوية للأمة.

كما يمكن أن تشكل الأيام الدراسية هذه فرصة لإجراء مقاربة أكثر واقعية لمهام الدفاع في المجال الاقتصادي وهي المهام التي يمكن أن تتجسد في حماية شاملة للاقتصاد من مختلف أوجه المخاطر والتهديدات ووضع آليات تضمن حماية مواردنا الحيوية وجعل مؤسساتنا أكثر قدرة على المنافسة في ظل اقتصاد ما فتئ يزداد عولمة.