محضر الجلسة العلنية الثالثة عشرة

 

المعنقدة يوم الأحد 27 ربيع الأول 1420 هـ

الموافق 11 جويلية 1999 م (صباحا)

 


الرئاسة: السيد عبد الله الحاج أحمد، نائب رئيس مجلس الأمة.

 

تمثيل الحكومة: السيد رئيس الحكومة، السيد وزير العدل، السيد الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان.

 

إفتتحت الجلسة على الساعة التاسعة والدقيقة العشرين صباحاً.

 

السيد رئيس الجلسة: بسم الله الرحمن الرحيم، الجلسة مفتوحة.

أرحب في بداية هذه الجلسة  بالسيد رئيس الحكومة والوفد المرافق له، كما أرحب بالسيدات والسادة أعضاء مجلس الأمة.

نظراً لالتزامات قاهرة للسيد رئيس مجلس الأمة تتعلق بالقمة الخامسة والثلاثين لمنظمة الوحدة الإفريقية التي تحتضنها بلادنا ابتداء من يوم الغد وبتكليف منه أتشرف برئاسة هذه الجلسة الصباحية وقراءة نص الخطاب الذي كان ينوي إلقاءه في افتتاح هذه الجلسة:

"بسم الله الرحمن الرحيم ، السيد رئيس الحكومة، الإخوة أعضاء الحكومة، الإخوة أعضاء المجلس، الإخوة الضيوف والصحافيون، السلام عليكم ورحمة الله.

 

نستأنف أشغال هذه الدورة لاستكمال مناقشة رزنامة المشاريع المعروضة على مجلسنا. وقد اقتضت هذه الرزنامة أن نُدرجَ، بصفة أَوْلَوية في جلستنا العامة اليوم، مشروع قانون استعادة الوئام المدني الذي يُجسِّد مظهراً من مظاهر مطلب السلم، ووفاءً لتعهــُدَات رئيس الجمهورية، أثناء الحملة الانتخابية، وهو مشروع يدخل في سياق خطة لتطويق ثقافة العنف، الثقافة المضادة المستوردة، أولاً بتوقيفها، ثم بالتَّصدي لأسباب بروزها بواسطة مناهج وسياسات تصحيحية، تقوم على عدالةٍ اجتماعية وتضامنٍ حقيقي وعلى قضاءٍ سليم. سياساتٌ متكاملةٌ ومنسجمة تَسُدُّ الطريق أمام احتمالات الخيبة وتفتح قنواتِ الاختلاف والاحتجاج وأشكال المعارضة التي تــؤمن بدورٍ بيداغوجي في المجتمع وهو ما يؤهلنا للدخول في مرحلة تجاوز حالة البؤس الفكري الذي أدى إلى التطرف بكل أنواعه.

 

أيتها السيدات، أيها السادة،

إن تقديمَنا لهذا المشروع وتسبيقَه على غيره، هو تجاوب مع انشغال مـلح، انشغال الأمة بمستقبلها في ظلِّ السلم والوئام.

 

وإذا كنا في هذه الجلسة سنناقش مشروعا أثيرت حوله تعاليق، مرحبة أو منتقدة أو حتى رافضة فإن مسؤوليَتنا تقتضي أن نُسجِّل كل ذلك ونحتكم في النهاية إلى فلسفة التطلع إلى الأمام، خاصة إذا كانت الأهداف ذات بُعْد استراتيجي، مثل هدف تحقيق السلم وترسيخ الوئام المدني وبالنظر إلى طبيعة الهدف المنشود، وكما تعلمون فإن اللجوء إلى الاستفتاء، في هذه الحالة الخاصة هو تجديد للثقة في مؤسستنا التشريعية، ففي إحالة القانون على الشعب إشراك للمواطن في القرار وهو أمر يريح ويعزز موقع البرلمان.

 

لقد عانت بلادنا من وضع خطير، نعلم جميعا آثاره المادية والنفسية على المجتمع ولا سيما على ضحايا الإرهاب الذين لن تفرط الدولة فيهم  ولا في حقوقهم باسم أي منطق سياسي.

وفي نفس الوقت فإن هذه الدولة نفسها عليها واجب حماية الأفراد والممتلكات بالبحث عن آليات خنق ظاهرة العنف والإرهاب.

أيتها السيدات، أيها السادة،

لقد قلتُ في مناسبات سابقة، إن الإرهاب كان أكثر خطورة في مناطق غابت منها الدولة، وإن الإرهاب يموت اختناقا برياح الديمقراطية ولقد بدأت تتحقق سلطة الدولة ويتوسع انتشارها في السنوات الأخيرة وبدأت تتقلص جرائم الإرهاب وتختنق مواقعهم بفضل جهود المؤسسات الدستورية وفي مقدمتها الجيش الشعبي الوطني: بعمقه الجمهوري وطابعه الوطني وامتداده الشعبي وبفضل هيئات الدولة الأخرى وبفضل وعي الشعب وتجنده.

نحن نناقش في هذه الجلسة مشروع قانون استعادة  الوئام المدني وليس في أذهاننا ولا في تصوراتنا أي خلط بين الجنوح إلى الرحمة والرأفة والتمسك بصرامة القِصاص والعقاب ولكن في أذهاننا وتصوراتنا بناء مجتمع، يُحِسُّ فيه الجزائري بالمواطنة. والمواطنة، أيها الاخوة، هي إحساس بالأمن وثقة في الحاضر والمستقبل. والثقة في المستقبل هي الشروع في فتح ورشات التنمية التي ظلت معطلة نتيجة دوَّامة الوضع الذي عشناه، ورشات نواجه بها الحاجات المستعجلة للمواطن في السكن والشغل والتعليم والصحة وحينها يكون الوئام المدني خطوة نحو أمن دائم وتنمية مستمرة.

ولاشك أن مساهمة أعضاء مجلس الأمة في مناقشة هذا المشروع ستلقي عليه أضواء إضافية تمكن الشعب الجزائري من الاطلاع أكثر على فلسفته:

 

فلسفة النص تتجاوز ظاهر الحرف وروحه هي التي تمنحه الأبعاد الحقيقية وتــوفر له حُظوظ الاندماج في منحى سياسي مستقبلي.

فالنص تقاس قيمته الحقيقية بالوفاء لانعكـاس فلسفته في الميدان أثناء التطبيق.

وفي سياق هذا الأفق أسمح لنفسي باستحضار مقولة مـفكر مشهور وأذكـر أنه قال: "البؤس بصوره المتعددة: مادية، فكرية، ثقافية.. الخ، يؤدي إلى العنف، والعنف يرجعنا بدوره إلى حالة البؤس".

وفي الحقيقة فإن نـص هذا القانون- كما هو معروض علينا- يـشكل نقطة انطلاق للتعامل بشكـل أفضل مع وضع معقد ومتدن في اتـجاه التغيير المطلوب.

فنحن بعد عشريات من الاستقلال، أمام حتمية استخلاص الدروس من الخيبات الناتجة عن أخطائنا.

والهدف: اقتلاع جذور كل الانحرافات والانطلاق من جديد متشبعين بقناعات أعرضها بسرعة:

مادامت السياسة، تحتوي على بذور العنف،

ومادام الإسلام يسخر لخدمة السياسيين،

ومادامت العدالة تبدو فقط بمظهر السجن والمقصلة وتعطي انطباعاً مرعبا عِوَض اعتبارها ملجأ مـهابا،

مادام للقاضي في أذهان البسطاء ملامح الترهيب،

وللمسؤول سلطة احتكار امتياز غير مشروع واستبداد منبوذ،

مادامت الحريات لا تتنفس بارتياح،

ومادامت هناك فـرص التكميم لطمس  وتغييب الحقيقة،

مادام الأوفياء لمبادئهم من المـحقين، مستنـزفين، والضعفاء يتألمون.

مادامت كل هذه الانـحرافات وغيرها وهذه المساوئ، فنحن نحتاج إلى هذا القانون لإنـهاء مواجهة دموية ثم نحتاج أكثر من ذلك إلى تفتـح وعيِنا الجماعي، الوعي الذي يؤدي إلى:

-إثبات الانهزام القاطع للتفوق الوهمي،

-وكشفِ المستفيدين من غنائم مشبوهة.

وهؤلاء هم الذين، يعتبرون الوئام كارثة على امتيازاتـهم ويرون الرحمة والتسامح انزلاقاً وتمرداً، متعمدين تجاهل الحقائق ويكون قد غاب عنهم مسحُ نظاراتهم.

إننا نبني أملا مؤسسا على إدراك ووعي والوهم هو خلط هذا الأمل بالوهم.

ونحن في هذا المكان الذي أسميه معبد الجمهورية، ندشن بشجاعة رهان السلم والاستقرار والوئام المدني وإننا على يقين بأن مسؤوليتنا لضخمة وخطيرة.

ومن أجل هذا ولكسب رهان السلم فإن ما قد يبدو تنازلا هو حرص على قوة الوعي بضرورة تحقيق الوئـام، عبر طريق لا نأمن فيه العقبات والمطبات، التي تدعو إلى يقظة متزايدة وتنام، فمسيرة البشرية نحو المستقبل تحمل كل تعقيدات ومفاجآت أسفار الاستكشاف ولكن لابد من الاهتزاز لرؤية شعاع من نور، الشعاع الذي نبدأ به مسيرتنا من بوابة الوئـام المدني وشكرا".

هذا نص كلمة السيد الرئيس.

 (تصفيق).

والآن أستسمحكم بإحالة الكلمة إلى السيد رئيس الحكومة لتقديم مشروع نص القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني فليتفضل.

 

السيد رئيس الحكومة: بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي الرئيس، سيداتي سادتي، زميلاتي، زملائي الكرام، إنه شرف بالنسبة لي أريد أن أتقاسمه معكم في تقديم هذا المشروع وهو مشروع قانون الوئـام المدني، وأملي أن يحظى برعايتكم وقبولكم.

لا أحتاج العودة إلى التذكير بالأوضاع التي عشناها منذ سنوات والمتمثلة في أوضاع التخريب التي مست البلاد، أوضاع الإرهاب الذي ذهب ضحيته خيرة الناشئة من بلادنا وكذلك أشخاصا من كل الشرائح، وأنحني لذكرهم مهما كانت مشاربهم وانتماءاتهم، أوضاع  تعرفونها كما ينبغي، نتجت من جراء تخريب المدارس والمعامل إلى درجة أنها شلت حركة التنمية، أوضاع جعلت بلادنا معزولة إلى حـد بعيـد، لكن بفضل إرادة هذا الشعب الذي ألتف حول مؤسسته - الجيش الوطني الشعبي - وحول كل الوطنيين كسروا بذلك شوكة الإرهاب وأصبح من الممكن أن ننتهج طريقا مكملا لذلك، حيث جاء مرشح لرئاسة الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة وقدم في برنامجه هذا الهدف الأساسي وهو استعادة السلم واستعادة الأمن لهذه البلاد. وكان هذا الهدف السامي من بين ما قدم، وقد وافق الشعب على ذلك بانتخابه فأصبح إذن استعادة السلم والأمن مطلبا أساسيا لشعبنا. وبعد شهرين فقط من تقلده مهامه كقاض أول في البلاد. كلف الحكومة بتقديم هذا القانون إلى رعايتكم، وسماه قانون استعادة الوئام المدني، لماذا هذا القانون، لماذا هذا المسعى؟ لأنه كما قلت، أولا كسرت شوكة الإرهاب وتغلبت الدولة على ذلك إلا أنه بقيت بعض البقايا ويمكن أن تدوم وينبغي إزالتها نهائيا.

أصبحت الدولة الآن مسترجعة لقواها ولا ننسى بأنه في سنة 1994 كانت الدولة الجزائرية في خطر وتحت ضربات الإرهاب، واليوم ينبغي أن تستعيد كل قواها وهيبتها القانونية ولا ترى الحكومة أي طريق أو وسيلة أخرى من غير ما قدم في هذا القانون.

إنه مسعى نراه الأفضل الآن وبود الحكومة أن تستمع إليكم جميعا وتعرف إن كان هو المسعى الصحيح أم لا؟ هل لهذا المسعى بديل؟ ونحن مستعدون كحكومة للاستماع إليه، المهم أن نصل إلى الوئام المدني والسلم عن طريق القانون وعن طريق الدولة التي تفرض القانون وليس عن طريق آخر.

 

سيداتي سادتي، كل واحد منكم مطلع على هذه الفكرة وقد تتبع على الأقل منذ بداية السنة كل ما يجري على الساحة من أفكار والبرامج التي قدمت في الانتخابات الرئاسية، فلا أحتاج إلى تفصيل كبير حول هذا الموضوع لما كنتم ولازلتم مطلعين عليه ولما تحملونه من أفكار في هذا الميدان لذا أود فقط وباختصار أن أقدم وألقي بعض الأضواء على هذا القانون وأنا مستعد للإجابة على انشغالاتكم التي ستعبرون عنها في المناقشة.

 

سيداتي سادتي، الوئام المدني يقتضي تكييف التشريع المعمول به وهذا ما جاء في مشروع هذا القانون وهذا الأخير يحتوي على 43 مادة و07 فصول، لا أدخل في التفصيل لأن التقرير الذي سيأتيكم من اللجنة التي اشتغلنا معها سيفصل ذلك - وذلك بعد تدخلي طبعا - وأذكر فقط ببعض المعالم وأقول بأن أحكام هذا القانون مستمدة أو ترتكز على محاور أربعة وهي المحاور التي اعتمدها السيد رئيس الجمهورية في مبادرته.

المحور الأول: التمسك بالدستور والحرص على تنفيذ قوانين الجمهورية. هذا هو المحور الأساسي والأول، وأقول في هذا الميدان إنه في أوضاعنا التي نعيشها وبعد التجربة الأليمة التي عشناها في الماضي أصبح في نظري الآن ومستقبلا التشبث الكامل بالدستور وبقوانين الجمهورية أمرا حيويا.

المحور الثاني: إحقاق حق ضحايا الإرهاب والتكفل بهم، وهو محور أساسي كذلك لأنه يعبر عن المحنة التي عشناها ويقتضي منا حق الذاكرة.

المحور الثالث: العرفان إزاء المؤسسات وجميع المواطنين المخلصين الذين كان لهم الفضل في إنقاذ هذه البلاد.

المحور الرابع: فسح المجال لعودة كل من ضل الطريق لسبب أو لآخر.

 

فإذا كانت المحاور الأول والثاني والثالث تظهر لنا من البديهيات، فإن المحور الرابع يعتبر جديدا وهو فسح المجال لعودة كل من ضل الطريق لسبب أو لآخر بشروط القانون، وماذا يطلب القانون في هذا المنظور المتكامل للمحاور الأربعة؟ يطلب من الذي ضل الطريق لسبب أو لآخر أن يعلن أولا خضوعه لتدابير هذا القانون ويجعل خضوعه الكامل لسلطة الدولة والامتثال لقوانينها، ويعلن ولاءه للدولة،ويعلن ذلك في أجل أقصاه 6 أشهر من إصدار هذا القانون، إذن الشرط الأول لمن ضل الطريق ويريد أن يستفيد من تدابير هذا القانون أن يعلن ولاءه للدولة في ظرف لا يتجاوز 6 أشهر، لأنه يمكن أن يبقى مفتوحا للأبد، إذن ينبغي لمن له إرادة في الرجوع إلى الطريق الصحيح أن يعبر عن ذلك، وكان بالإمكان أن نتركها مفتوحة إلا أنه وجب حصر المدة والمتمثلة في 6 أشهر.

أما الشرط الثاني الذي يسنه القانون فيتمثل في أنه إذا أعلن على ذلك فإنه ستقع المتابعـة أو المحاكمـة بالنسبة له إذا ما اقتـرف جـريمة دم أو جريمـة اغتصاب إلا أن هذا القانون قد أضاف شيئا جديدا وهو أن هذه المحاكمة أو هذه المتابعة ستكون حينا وعاجلا أو آجلا وسأشرح هذا الأمر فيما بعد.

سيداتي وسادتي، سبق وأن قلت إن هذا القانون يحتوي على 43 مادة و07 فصول وسوف تعطى لكم التفاصيل في تقرير اللجنة، لكن أريد تسليط بعض الأضواء على التدابير المذكورة في هذا القانون تطبيقا لما سبق أن ذكرته من المحاور والشروط المطلوبة ممن يريد أن يستفيد من هذا القانون.

تصنف تدابير هذا القانون في حالات ثلاث:

الحالة الأولى: هي الإعفاء من المتابعة أو بعبارة أخرى إسقاط المتابعة.

الحالة الثانية: الوضع رهن الإرجاء، أو الوضع رهن الاختبار.

 

الحالة الثالثة: هي تخفيف العقوبات.

أود أن أعطي بـعض الـتوضيحات عـن كل حالة.

فيما يخص الحالة الأولى والمتعلقة بالإعفاء من المتابعة أو إسقاطها، كان قد صدر قانون في سنة 1995 يسمى قانون الرحمة وخدم ما خدم وجاء بالنتيجة التي جاء بها إلا أنه أصبح اليوم غير كاف لتغطية الأوضاع، ففي نفس السياق وعملا بمبدإ القانون الأصلح للمتهم، ويتضمن هذا القانون أحكاما تخص الإعفاء بالنسبة لأولئك الذين لم يتورطوا في جريمة دم أو تسببوا في عجز دائم أو قاموا باغتصاب أو استعملوا متفجرات في أماكن عمومية أو أماكن يتردد عليها الناس، إذن تدابير الإعفاء هذه يمكن أن تنطبق على الذين لم يقوموا بهذه الأعمال، فالتعريف القانوني يكون بطريقتين إما أن يقول المعرف إن المسألة الفلانية هي أن تقوم بكذا.. وتعمل كذا.. أو يكون التعريف بالسلبي وهو أن يقال: لم يقم بكذا وكذا. إذن هنا فيما يخص الإعفاء من المتابعة تنطبق على الشخص المتورط في أعمال بعيدة عن جريمة دم أو ما إلى ذلك، وأنتم تتذكرون بأن السيد رئيس الجمهورية في حملته الانتخابية قال "إن الملطخ يده بالدم لا يمكن أن يعفى عنه إلا بعد محاكمته" فإذن أولئك الذين قاموا بجريمة دم أو اغتصاب أو استعملوا متفجرات لن يمكن إبقاؤهم بدون عقاب، وأضيف ربما في هذا المجال أنه إذا كان هناك شخص حائز لأسلحة ومتفجرات ووسائل مادية أخرى وسلمها تلقائيا للسلطات يمكنه أن يستفيد من إسقاط المتابعة، هذا هو الصنف الأول من التدابير التي يسنها هذا القانون.

 

أما الصنف الثاني فهو الوضع رهن الإرجاء أو الوضع رهن الاختبار، وهذا الصنف سأعطي عنه تفاصيل أكثر لأنها تدابير جديدة بالنسبة لقانوننا وينبغي شرحها حتى يقع حولها التشاور ويتم بعد ذلك قبولها إذا انطلقنا مما نعرفه على أن لكل عقوبة في القانون هدفين، الهدف الأول هو التعزير والثاني هدف تربوي مؤسس على فكرة الندم والتوبة وإعادة الادماج في المجتمع، هذا الشخص الذي يريد أن يستفيد مثلما قلت- بتدابير هذا القانون ويعبر مثلما قلت عن ولائه للدولة وينبغي أن يحاكم عاجلا أم آجلا، إذا قال إنه ضل الطريق ويريد أن يرجع إلى الطريق الصحيح ويريد الاندماج، فينبغي على المجتمع أن يطمئن إلى صدق ما قاله وأن لا يرجع من جديد بعد استجمام لمدة. لذا أسس هذا القانون فكرة الاختبار لنعرف هل استقام ويمكن إدماجه أم لا.

من الناحية القانونية يمكننا إطلاق تسميةُ اختبار و أنا أفضل هذه الكلمة، أي وضع في حالة اختبار وهذا الاختبار حقا غير معروف في القانون الجزائري، إلا أننا نرى أنه لا يتعارض مع فلسفة القانون الجزائي الذي من أسسه مبدأ ملاءمة المتابعة فهو إذن يبعد المتابعة الفورية- مبدئيا لما يقوم الإنسان بجريمة يتابع حينا وهذا الاختيار يبعد المتابعة الفورية- لكن في نفس الوقت ليس عفوا شاملا، فهو يبقي مسؤولية الشخص في المخالفة قائمة كما يبقي احتمال المتابعة ويبقيهما كاختبار الشخص- أي مسؤوليته واحتمال المتابعة- ما لم نتأكد من استقامته وقد حدد القانون فترة الاختبار بمدة فقال "يوضع رهن الاختبار لمدة أقلها ثلاث سنوات وأقصاها عشر سنوات".

وتهدف هذه التدابير- أي وضع رهن الاختبار- إلى أهداف ثلاثة:

 

أولا: عدم إسقاط الطبيعة الجنائية للعمل الإرهابي. أقول وليكن هذا واضح عدم إسقاط الطبيعة الجنائية للعمل الإرهابي.

 

ثانيا: مراعاة مشاعر المجموعة الوطنية.

 

ثالثا وأخيرا: صيانة أمن الدولة من خطر إعادة تشكيل المجموعات المخربة، وينبغي أن نشير إلى أن هذا القانون أسس لتسيير ومراقبة هذا الاختبار لجنة إقليمية في مستوى أقاليم البلاد يترأسها قاض وهو النائب العام وبعضوية مسؤولين في الدولة خاصة المسؤولين في الأمن وممثل من هيئة المحامين لأنها مساعدة للقضاء والعدالة فهي جزء من القضاء، إذن هنا أؤكد على أن هذه اللجنة مستمدة من فكرة الدولة وتبقى الدولة القائمة هي التي تسير وليس هناك شيء آخر، ولهذه اللجنة صلاحيات وتتمثل في:

- أولا: في اتخاذ القرار بشأن الوضع رهن الإرجاء.

- ثانيا: باتخاذ التدابير التي يخضع لها الشخص الموضوع رهن الإرجاء.

- ثالثا: لإثبات إلغاء الإرجاء والنطق به.

- رابعا: اقتراح أي تدبير على السلطة المختصة لمراقبة الوضع رهن الإرجاء.

- إثبات انقضاء الإرجاء وتسليم العقد المثبت لذلك.. الخ.

 

وكل الصلاحيات هي بين أيدي هذه اللجنة لمتابعة الاختبار كما ينبغي كذلك أن نذكر بأن الإجراءات المتبعة لدى هذه اللجنة تحترم قواعد الإجراءات الجزائية من حق في الدفاع في كل مراحل الإجراءات الخاصة بالاختبار ومن تنفيذ تدابير الإرجاء ومتابعتها ومراقبة احترامها من طرف الشرطة القضائية بإدارة النائب العام والشرطة القضائية تتكفل بذلك لأنها تملك الصلاحيات وتبقى تحت مراقبة النائب العام. وبعد مدة الإرجاء وفترة الاختبار ومتابعة هذه اللجنة لهذه الفترة، وكما ذكرت فإن هذه المدة تتراوح ما بين ثلاث إلى عشر سنوات، عند ذلك يقع تحريك الدعوى العمومية مع الاستفادة من الصنف الثالث من هذا القانون، إذن فهو موجود تحت الاختبار ومتابع من مدة ثلاث إلى عشر سنوات وبعد أن تقرر اللجنة أن هذا الشخص قد أظهر إرادته حقيقة في الاندماج من جديد في المجتمع، في ذلك الوقت تحرك الدعوى العمومية وننتقل إلى القضاء ويمكنه أن يستفيد من تدابير الصنف الثالث، وأذكر أننا قلنا إن هناك ثلاثة أصناف، إذن الصنف الثاني يؤدي إلى الصنف الثالث وهو التخفيف من العقوبات، فهو يحاسب ويخفف من العقوبة علما أنه كان في حالة الإرجاء لمدة ما.

إن تخفيف العقوبات كما تعلمون تدبير استثنائي وعليه يجب أن يكون محددا في الزمن حتى لا يفهم المعني أنه أمل في الاستفادة من تدابير أكثر مرونة ينبغي أن تكـون المدة محددة-.

 

وتخفيف العقوبة معروف لديكم فإذا ما نص قانون العقوبات على عقوبة لجريمة ما بالسجن المؤبد فإن هذا المشروع يخفضها إلى 12 سنة كحد أقصى وإذا كان الحد الأقصى الموجود في القانون الجنائي أو الجزائي ما بين عشر سنوات وعشرين سنة فإن العقوبة تخفض إلى سبع سنوات الخ، وفي كل الحالات يخفف الحد الأقصى للعقوبة بالنصف. إن الاستفادة من هذه التدابير القانونية هو تعبير عن حلم الدولة وأؤكد على ذلك وأضيف بعد تقديمي باختصار للحالات الثلاث- أن مشروع القانون يسقط في جميع الحالات الحقوق المشار إليها في الفقرة الثانية من المادة الثامنة من قانون العقوبات أي الحقوق المدنية- للمستفيدين من الأصناف الثلاثة التي سنها هذا المشروع وذلك لمدة عشر سنوات، وسبب ذلك مفهوم لديكم، إذ لا يمكن أن يتقدم غدا ويقول إنه يريد أن يرجع للانتخابات ويرجع للحكم، فسيبقى تحت الاختبار لمدة لأن الجرح عميق وأضيف أنه فيما يخص المواطنين الذين سهروا على أمن الجميع وكافحوا بالتفافهم حول الجيش الوطني الشعبي، فإن هذه السياسة ستفسح لهم المجال، والحكومة الآن في طور وضع برنامج لإعادة نشرهم حول مؤهلاتهم من أجل تكفل أحسن بإدارة مناطق بلادنا الشاسعة، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن هذا القانون يعبر بالإضافة إلى ما تعبر عنه قوانين أخرى عن تضامن الأمة مع أخواتنا وإخواننا ضحايا الإرهاب، وإذ أترحم بكل خشوع على أرواح كل الذين سقطوا ضحايا الإرهاب الجبان من أجل أن تصمد الجزائر وتحيا واقفة وسيدة مصيرها، فإني أتضرع إلى الله العلي القدير أن يتغمدهم برحمته الواسعة، وعلى الدولة أن تتكفل بانشغالات ذويهم المعنوية والمادية.

هذا هو سيداتي سادتي، زميلاتي زملائي الكرام المسعى الذي أراده السيد رئيس الجمهورية وكلف الحكومة بذلك لتقديمه إليكم، فأنا لا أرى مسعى آخر في الوقت الحالي، يمكننا أن ننقاش المادة الفلانية بأن تكتب كذا.. أو كذا.. هذا صحيح، لكن شخصيا وقناعتي كاملة في هذا الميدان لا أرى مسعى آخر، لأننا عشنا محنة عصيبة تركت جروحا عميقة وأفرزت آلاما كبيرة واليوم أقول مثلما قال السيد رئيس الجمهورية لقد دقت ساعة العقل وشكرا سيداتي سادتي.

 (تصفيق).

 

السيد رئيس الجلسة: أشكر السيد رئيس الحكومة على عرضه الذي قدم من خلاله أمامكم مشروع القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني وأحيل الكلمة إلى السيد مقرر اللجنة القانونية والإدارية وحقوق الإنسان لتقديم التقرير التمهيدي حول نص هذا القانون.

 

السيد مقرر اللجنة المختصة: بسم الله الرحمن الرحيم، السيد رئيس الجلسة نائب السيد رئيس مجلس الأمة المحترم، السيد رئيس الحكومة المحترم، السادة الوزراء، أعضاء الحكومة المحترمين، زميلاتي زملائي أعضاء مجلس الأمة المحترمين، السادة الحضور الكرام، ضيوفنا الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يشرفني أن أعرض عليكم فيما يلي التقرير التمهيدي عن نص القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني.

طبقا لأحكام المادتين 117 و133 الفقرة الثانية من الدستور، وتطبيقا لأحكام القانون العضوي الذي يحدد تنظيم المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة، ولاسيما المواد: 9،15، 17، 27 و39 منه،

وتطبيقا لأحكام النظام الداخلي لمجلس الأمة، ولاسيما المواد: 12، 13، 25، والمواد من 40 إلى 51 منه.

وبناء على إحالة من السيد رئيس مجلس الأمة بتاريخ 08 جويلية 1999 تحت رقم 145/99 لنص القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني.

اجتمعت لجنة الشؤون القانونية والإدارية وحقوق الإنسان لمجلس الأمة بمقر المجلس برئاسة السيد عمار عوابدي رئيس اللجنة، في جلسات عمل متواصلة ابتداء من صبيحة يوم الجمعة الموافق 09 جويلية 1999، بحضور السادة أعضاء اللجنة الآتية أسماؤهم:

-       لمين شريط

-       مصطفى دريوش

-       أحمد مطاطلة

-       بوزيد لزهاري

-        عبد المجيد جبار

-       بوجمعة صويلح

-       رشيد عبيد

-       سنوسي بوشنتوف

-       بوقرة وارث

-       الميلود أوشريف

-       الطاهر خويضر

-       محمد لمين مزعاش

-       منصور شيكر السعيد

وقد شرعت اللجنة في دراسة ومناقشة نص القانون المحال عليها والذي يتضمن 43 مادة موزعة على النحو التالي:

 

-         الفصل الأول: أحكام عامة: ويتضمن مادتين.

-         الفصل الثاني: الإعفاء من المتابعات: ويتضمن 3 مواد.

-         الفصل الثالث: الوضع رهن الإرجاء: ويتضمن 21 مادة.

-         الفصل الرابع: تخفيف العقوبات: ويتضمن 3 مواد.

-         الفصل الخامس: الإجـراءات: ويتضـمن 6 مواد.

-         الفصل السادس: أحكـام عامة: ويتـضمن 8 مواد.

ومن خلال دراسة اللجنة لهذا النص، كانت مدركة لأهميته، من حيث الأهداف السامية التي يرمي إلى تحقيقها، ومن ضمنها هدف استرجاع الأمن والاستقرار الشامل والوئام بين جميع أفراد وفئات وشرائح المجتمع الجزائري على اختلاف أفكارهم وحساسياتهم السياسية، والحرص على اجتثاث جذور الحقد والفتنة والعمل على إشاعة أسباب وظروف الطمأنينة والأمن والوئام والتضامن والتلاحم بين أبناء هذا الوطن والتخلي النهائي عن دوافع وأساليب الضغينة والحقد، وبالتالي التوبة عن أعمال العنف والإرهاب والتخريب، وذلك حتى ينطلق المجتمع الجزائري في بناء جزائر العزة والكرامة والتنمية الوطنية الشاملة لفائدة جميع أفراد المجتمع الجزائري، وهذا من شيم الدولة الوطنية القوية المحترمة لدستورها وقوانينها ومؤسساتها وسيادتها وأعرافها وتقاليدها.

وأثناء هذه الدراسة المعمقة للنص، أبدت اللجنة بعض الملاحظات الخاصة بالشكل والمضمون.

الجوانب الشكلية: حيث لاحظت اللجنة أن صياغة بعض المواد تفتقر إلى الدقة والوضوح المطلوبين في الصياغة القانونية السليمة، ويمكن إعطاء بعض الأمثلة على ذلك.

 

فيما يخص المادة الأولى حيث استعمل مصطلح التوقف، وكان من الأفضل استعمال مصطلح التخلي النهائي أو الكف..الخ

المادة الثامنة: يلاحظ عليها عدم التوفيق في الصياغة، بحيث كان من المفروض ذكر عبارة التسليم مباشرة بعد عبارة "على صدقه" إلى آخر الملاحظات.

الجوانب الموضوعية: لقد طرحت عدة تساؤلات وانشغالات في هذا الجانب، ومن أمثلة ذلك ما يلي:

- مسألة المركز القانوني لمندوب الإرجاء وتحديد صلاحياته بدقة.

- مسألة إخطار لجنة الإرجاء بالنسبة لأحكام المادة 18.

- مسألة التكفل بضحايا الإرهاب بالنسبة للأشخاص المستفيدين من هذا القانون والذين لا تحرك بشأنهم الدعوى العمومية.

- مسألة المادة 41، حيث إن أحكامها تثير بعض اللبس في محتواها.

وقد استقبلت اللجنة في إطار مواصلة أشغالها يوم السبت الموافق 10 جويلية 1999 على الساعة العاشرة (10) صباحا السيد اسماعيل حمداني رئيس الحكومة المحترم مرفوقا ببعض أعضاء حكومته السادة الأفاضل:

- غوتي مكامشة وزير العدل،

- عبد المالك سلال وزير الداخلية والجماعات المحلية والبيئة،

- محمد كشود الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان.

حيث قدم سيادته نص القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني الذي يسعى إلى المعالجة النهائية والشاملة لأسباب الأزمة والفتنة والعمل على تجاوزها بإحلال قيم السلم والتسامح والتضامن والتلاحم في المجتمع الجزائري بالارتكاز على الأسس الآتية:

 

1 الاحترام الصارم لأحكام الدستور والحرص على تطبيق قوانين الجمهورية والخضوع لها.

2 الحماية التامة لحقوق ضحايا الإرهاب والتكفل بهم.

3 التنويه والعرفان بدور مؤسسات الدولة.

4 فتح أبواب التوبة للذين ضلوا الطريق.

ولهذا الغرض يأتي هذا القانون بمجموعة من الآليات والميكانيزمات القانونية التي تتمثل أساسا في:

- الإعفاء من المتابعة.

- إرجاء المتابعة.

- تخفيف العقوبات.

كما تفضل السادة أعضاء الحكومة والمرافقين لهم بالإجابة والرد على كافة استفسارات وانشغالات أعضاء اللجنة.

 

وبعد الدراسة المعمقة والاستماع إلى توضيحات وشروح السيد رئيس الحكومة اسماعيل حمداني المحتـرم والسادة أعضـاء الحكومة المحترمين الذين أجابوا عن انشغالات أعضاء اللجنة حول المسائل المثارة، استنتجت اللجنة ما يلي:

 

1 إن نص قانون استعادة الوئام المدني هذا، نص استراتيجي هام يستهدف تحقيق الوئام المدني والسلم الاجتماعي والأمن الوطني الشامل والاستقرار السياسي في ظل مبادئ احترام سلطة وسيادة الدولة في الداخل والخارج.

 

2 إن هذا النص في مضمون أحكامه وأهدافه ذو طبيعة خاصة واستثنائية، ولذلك لا يمكن إخضاعه للمعايير القانونية والإجرائية العادية، الشيء الذي يبرر الملاحظات المثارة بشأن صياغة بعض مواده والجانب الشكلي بصفة عامة.

 

3 تقرير مبدإ مسؤولية الدولة القانونية عن الأضرار التي أصابت ضحايا الإرهاب وتكفلها بهذه الفئة من شأنه أن يحقق الوئام المنشود.

 

4 تشيد اللجنة وتنوه بالدور الوطني الريادي والشجاع لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني وكافة أسلاك الأمن الوطني وجميع الوطنيين والوطنيات من أبناء الشعب الذين صمدوا وضحوا بالنفس والنفيس من أجل حماية كيان الدولة وهيبتها وسيادتها وديمومتها ووحدتها الوطنية.

ذلكم سيداتي سادتي محتوى التقرير التمهيدي عن نص القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني الذي نعرضه عليكم للمناقشة وشكرا.

 (تصفيق).

 

السيد رئيس الجلسة: أشكر السيد المقرر على ما قدمه كتقرير تمهيدي للنقاش ونشرع الآن في المناقشة العامة لهذا النص وأعلمكم أن عدد المسجلين للتدخل هو 56 عضوا ولتمكين كل عضو من تناول الكلمة ونظرا للوقت والاعتبارات التي تعرفونها جميعا فقد قرر المكتب تحديد الوقت بثماني دقائق لكل متدخل وأحيل الكلمة إلى أول المتدخلين وهو السيد التونسي بوساحية فليتفضل.

 

السيد التونسي بوساحية: بسم الله الرحمن الرحيم، السيد رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة، السيدات والسادة أعضاء الحكومة، السيدات والسادة، الزميلات والزملاء أعضاء المجلس، السيدات والسادة الصحافيين، السادة الحضور، السيد الرئيس، إن الأهمية الكبرى التي يكتسيها مشروع قانون استعادة الوئام المدني الذي نحن بصدد مناقشته اليوم تدفعني إلى الإدلاء برأيي في هذا الشأن، اقتناعا من أن ذلك واجب وطني أولا وكممثل للأمة ثانيا، ومعتقدا في ذلك الصراحة والصدق، وتحليا بالنزاهة والموضوعية بعيدا عن الأحكام المسبقة والخلفيات المبيتة.

 

ويسعدني بادئ ذي بدء أمام هذا المجلس الموقر أن أتقدم بأحر التهاني للجزائر أمة وشعبا بمناسبة الذكرى السابعة والثلاثين لعيدي الاستقلال والشباب اللذين لازلنا نعيش في ظلالهما، هذا الشعب صانع التاريخ الحافل بالبطولات والأمجاد وصانع ثورة أول نوفمبر الخالدة، هذا الشعب الغيور على استقلاله ووحدته ووئامه وانسجامه، الذي برهن عليه وتمسك به على مر التاريخ، وعبر حقب الزمن، مضحيا في سبيل ذلك بالنفس والنفيس، منتصرا على كل خطر حدق به مهما اشتد به الحال وكيف ما راودته النوائب واشتدت به المحن، ولا طالما تعاقبت عليه الأزمات وتصاعدت ذروتها وتفاقمت وتنوعت جذورها.

سيدي الرئيس، ها نحن اليوم أمام امتحان آخر معقد وعسير وتذليله ليس باليسير إلا أن شعبنا وكما عودنا دائما وبفضل عزيمة نسائه ورجاله وبفضل الشرفاء والمخلصين والغيورين على وطنهم سيعرف لا محالة كيف يخرج من هذه المحنة منتصرا ليكون أحسن خلف لخير سلف.

السيد الرئيس، لقد جاء هذا القانون انسجاما مع ما وعد به فخامة رئيس الجمهورية في برنامجه الثري، ونعتقد أن مشروع الوئام المدني جاء في وقته فخير البر عاجله، ذلك أنه يفتح عهدا جديدا لانطلاقة تنموية واعدة تسمح للبلاد باستعادة دورها الريادي. ولن يتأتى ذلك إلا بجمع الشمل في ظل الانسجام والتماسك الاجتماعي والوئام المدني وكل ذلك في ظل مبادئ الدستور وقوانين الجمهورية.

إن تكريس الوئام المدني في تقديرنا سيعزز الانسجام الاجتماعي ويدعم الوحدة الوطنية باعتبارهما عاملين أساسيين لتحقيق الوثبة الوطنية المنشودة.

السيد الرئيس، اسمحوا لي في هذه العجالة أن أذكر فقط بأن هناك دولا عديدة في أرجاء المعمورة عرفت هزات داخلية مزقت نسيجها الاجتماعي وهددت كيانها قديما وحديثا وإن اختلفت الأسباب وتفاوتت الدرجات وما نشهده اليوم في قلب أوروبا لأحسن دليل.

 

إن الجزائر اليوم بفضل الجيش الوطني الشعبي وقوات الأمن وكل الوطنيين المخلصين والتفاف الشعب الجزائري وتجنده ويقظته، استطاعت أن تنتصر على الإرهاب والإجرام وبهذه المناسبة لا يسعني وإياكم إلا أن ننحني إجلالا وإكبارا لأرواح شهداء الواجب وكل ضحايا الإرهاب، حيث شدت الجزائر رحالها بعد سنوات قاسية مريرة، وهي الآن بصدد استكمال  هذا المسار لإشعاع السلم والوئام المدني والأمن والآمال وتحقيق الأمن والاستقرار كليا ونهائيا.

السيد الرئيس، إن مشروع هذا القانون يرتكز أساسا على المحاور الأربعة الواردة في مبادرة السيد رئيس الجمهورية في خطابه الموجه للأمة يوم 29 ماي 1999 بخصوص الوئام المدني حيث أكد ما يلي: التمسك بالدستور والحرص على تنفيذ قوانين الجمهورية، إحقاق حق ضحايا الإرهاب والتكفل بهم ماديا ومعنويا، تكريم المؤسسات وجميع المواطنين المخلصين الذين كان لهم الفضل في إنقاذ البلاد، فسح المجال بعودة كل من ضل الطريق لسبب أو لآخر. من هذا المنظور فإنه ينبغي أن يكون واضحا أن مشروع هذا القانون فرق بين حالتين:

 

الحالة الأولى وهي متابعة ومحاكمة كل جريمة دم أو جريمة اغتصاب عاجلا أم آجلا، ومفادها التصدي الحازم للإجرام والمحاربة والمتابعة والعقاب الصارم.

 

والحالة الثانية تحتوي على نقاط لا تشملها الحالة الأولى- بالطبع- وهي خضوع كل من يريد الاستفادة من تدابير هذا المشروع خضوعا كاملا لسلطة الدولة ومن ثمة الانطواء تحت لواء الدستور والامتثال  إلى قوانين الجمهورية والالتزام بها وهي تشمل ثلاثة أصناف:

 

أولا- الإعفاء من المتابعة وإسقاطها وقد نص عليها الأمر 25/19 المتضمن إجراءات الرحمة ويدخل في إطار التسامح والحلم بما يحققه ذلك من ترسيخ قيم الصفح والتسامح المتأصلة في مجتمعنا.

ثانيا- تخفيض العقوبات ويعتبر تدبيرا استثنائيا محددا في الزمن لكي لا يسمح للمعنيين بالاستفادة من تدابير أكثر مرونة.

 

ثالثا- الوضع رهن إرجاء المتابعة أو الوضع في حالة الاختبار: إن هذا الإجراء لم يقننه المشرع الجزائري في الماضي إلا أنه يجدر التأكيد على عدم تعارضه مع فلسفة القانون الجزائي وروحه، وهذه المعالجة تدخل ضمن مبادئ القانون وفقا لمبدإ ملاءمة المتابعة.

 

ويرتكز أساسا على سلوك تربوي يرتكز هو الآخر على استقامة الضمير والندم والتوبة والرغبة في العودة إلى أحضان المجتمع والمجموعة الوطنية، كما ينبغي أن نذكر بأن باب التوبة الذي حظي بمكانة واسعة في ديننا الحنيف هو كذلك متجذر في أعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا المعروفة بالتسامح، فالعفو عند المقدرة من شيم الرجال وخصال الكرام وأعراف المجتمعات المتماسكة والشعوب المتضامنة والدول القوية.

السيد الرئيس، إن استعادة الوئام المدني سيمكن بلادنا بلا شك من تحقيق الأمن والاستقرار باعتبارهما شرطين لازمين لتنمية اقتصادية واجتماعية جادة ويسمح بتحقيق انطلاقة جدية على صعيد إعادة البناء في جميع المجالات وتعزيز مكانتها الخارجية، مما يضمن تدفق الاستثمارات والرساميل سواء من خلال الاستثمار المباشر أو من خلال عقود ومشروعات الشراكة المنتجة وبذلك تتمكن بلادنا من مواكبة التحولات التي يشهدها العالم في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية ومواجهة تحديات الألفية الثالثة والتكيف مع مقتضيات العولمة التي أضحت واقعا لا مفر منه حيث ينبغي على بلادنا الانخراط فيها بقوة ووعي ولن يتأتى ذلك إلا بتحصين الجبهة الداخلية ولم الشمل في ظل الانسجام والتضامن والتآخي والوئام.

السيد الرئيس، ذلكم كل ما أردت أن أساهم به أمام هذا المجلس الموقر ولو في عجالة نظرا لضيق الوقت، اللهم وفق الأمة الجزائرية في مسعاها لكل خير وانعم عليها بالوئام والانسجام والطمأنينة والسلم وتحقيق الرقي والازدهار تحت راية العزة والكرامة والعدل والإنصاف وإني على يقين بأن هذا الوطن العريق في تاريخه قادر على ذلك وقيادته جديرة بتحقيق هذه الطموحات لأنه فعلا كما قال المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

             وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتكبر في عين الصغير صغارها

               وتصغر في عين العظيم العظائم.

 

السيد رئيس الجلسة: أشكر السيد التونسي بوساحية وأحيل الكلمة إلى السيدة ليلى عسلاوي فلتتفضل مشكورة.

 

السيدة ليلى عسلاوي: شكرا سيدي الرئيس. سيدي رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة، والوفد المرافق له، زميلاتي زملائي، لا نستطيع أن نعتبر هذا النص المتعلق باستعادة الوئام المدني كمشروع قانون عادي شأنه في ذلك شأن كل المشاريع التي مرت على مجلس الأمة، نعم لا نستطيع أن نعتبر هذا النص عاديا لأنه لا يتوجه إلى المتخصص في ميدان الحقوق بصفة خاصة أو البرلمانيين كلهم بصفة عامة، وإنما يتوجه إلى الجزائريات والجزائريين كلهم، وبما أن هذا المشروع متعلق بمصير جزائر الغد أو جزائر السلام، فالواقع يفرض علينا أن تكون نظرتنا لهذا المشروع نظرة نزيهة وموضوعية حتى يصبح كل واحد منا واعيا بالمسؤولية الملقاة على عاتقه.

 

سيدي الرئيس، منذ سنوات عاشت الجزائر ظروفا جد قاسية ومرعبة ومخيفة وقف خلالها عدد كبير من الجزائريين والجزائريات في وجه الإرهاب الهمجي، وكانوا إما جزائريين من قوات الأمن أو من المجتمع المدني وذلك بالرغم من تهديدهم بالموت، فالبعض منهم وعددهم كبير وكبير جدا، دفعوا الثمن غاليا وضحوا بحياتهم وبقي للأحياء جراح بسبب فقدان الابن أو الزوج أو الأب أو الأخ أو الأخت أو الصديق، جراح عميقة ليس لها داء ولا دواء. ولكن اليوم، السؤال الوحيد والأساسي الذي يطرح نفسه هو هل الألم يكون حاجزا لمبادرة تهدف إلى إيقاف نزيف هذا الوطن حتى نتمكن من القضاء نهائيا على الإرهاب؟ بعبارة أخرى، هل نقبل هذا المشروع باسم المصلحة العليا للبلاد والصواب والعقل؟ أو نرفضه باسم الجراح والآلام؟ سأجيب على هذا السؤال بكل مسؤولية وأتحمل المسؤولية ونتائجها.

 

سيدي الرئيس، لما وقفنا في وجه الإرهاب منذ 1991 أو قبل ذلك إذ لا تنسوا بأن الحزب المحل كان يحرق في التسعينات منازل الأرامل- لم يكن السبب الدافع لذلك هو فقدان عزيز علينا وإنما اختيارنا كان عزمنا على أن تبقى الجزائر واقفة والجمهورية الجزائرية جمهورية. لقد كان همنا الوحيد أثناء كل هذه العاصفة  ألا تقع الجزائر بين أيادي المخربين الذين أرادوا تحطيمها، وإن بفضل التضحيات الجسام لقوات الأمن وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي، فإن الجزائر اليوم واقفة وقوية رغم كل الجراح والآلام ضف إلى جانب قوات الأمن كل الذين قاوموا الإرهاب من المجتمع المدني، في الوقت الذي كانت تتعالى فيه الأصوات من هنا وهناك وتطرح سؤالا وقحا ألا وهو: من يقتل من؟ إن الجزائر لم تنهر واليوم ربما عاد الأمل من جديد، هل من حقنا أن نضيع هذا الأمل؟ قبل أن أجيب على هذا السؤال، اسمحوا لي سيدي رئيس الحكومة أن أقول لكم بكل تواضع، القلب ينزف وسينزف إلى الأبد ولكن على الآلام أن تصمت من أجل أن تعيش الجزائر وتستعيد أمانيها واستقرارها، لما أقول هذا فإني لا أخون ذاكرة ضحايا الإرهاب ولا أخون عائلات ضحايا الإرهاب، والتي أقول لها فقط إياكم من الذي يبكي أكثر من الضحية لأغراض سياسوية، إياكم من هؤلاء الذين يبكون أكثر من الضحية وهم من وصفهم المثل الشعبي الجزائري الذي يقول: "أهل الميت صابرين والعزايا كافرين". على الآلام أن تصمت حتى تستعيد الجزائر استقرارها وثرواتها النشيطة، وبكلمة واحدة أن تعود إلى الحياة ونحن معها لأننا لا نملك وطنا بديلا عنها، على الآلام أن تصمت لأن الجزائر تطلب اليوم من أبنائها وبناتها تضحيات أخرى فأعطيناها الغالي ومستعدون لإعطائها أغلى من ذلك، على الآلام أن تصمت لأن ثقتنا المطلقة في الجيش الوطني الشعبي الجمهوري بالأمس والجمهوري اليوم وسيبقى جمهوريا، جيش لا ينسى أبدا ضحايا قمار وضحايا بوقزول والرائد حاج الشريف والرائد سي صالح واللواء بوتيغان رحمهم الله.

 

إن قبولنا بهذا المشروع هو تأكيد أن عناصر (A .I.S) اعترفت بأنها ضلت الطريق فارتكبت جرائم في حق هذا الشعب والجزائر والإسلام، ونتأسف من هذا المنبر الموقر، أن بعض الأوساط الإعلامية جعلت من أشخاص اعترفوا أنهم ضلوا الطريق أبطالا.

قبولنا بهذا النص يدل أيضا على التغيير الجذري الحاصل بين سنة 1994 واليوم، فعلينا أن نتذكر كلنا أنه في سنة 1994 كانت الدولة الجزائرية مهددة بالانهيار وبطبيعة الحال لا يفوتنا أن نعاتب الذين جعلوا أيضا من السلام تجارة ويقولون حتى في يومنا هذا إنهم تقدموا بنفس الاقتراحات فيما عرف بأرضية "سانت ايجيديو"، نقول لهم فقط إنه زيادة على أن مضمون المشروع مختلف عن ذلك تمام الاختلاف فإن الوئام والسلام يناقشان اليوم في الجزائر، بين جزائريين وفي مؤسسة دستورية جزائرية وليس تحت وصاية الأجانب. إن قبولنا بهذا المشروع نابع من يقيننا من أن الجزائر بحاجة ماسة إلى استرجاع صحتها الاقتصادية……

 

السيد رئيس الجلسة: أشكر السيدة ليلى عسلاوي وأحيل الكلمة إلى السيد حبيب دواقي فليتفضل مشكورا.

 

السيد حبيب دواقي: شكرا السيد الرئيس. بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي رئيس الجلسة، سيدي رئيس الحكومة، السيدة والسادة الوزراء، السيدات والسادة أعضاء مجلس الأمة، السيدات والسادة الحضور السلام عليكم.

في البداية سيدي الرئيس وقبل الدخول في الموضوع، أريد أن أحيي القرار الشجاع للسيد رئيس الجمهورية الذي أراد بهذه الخطوة المباركة التي سيحفظها له التاريخ، لم شمل الجزائريين مهما كانت انتماءاتهم ومشاربهم، وهذه الخطوة ستحقن حقا دماء الجزائريين. أما الجو الذي سمح بذلك ووفر المناخ فالفضل فيه يرجع إلى قوات الجيش الوطني الشعبي الساهرة على حماية الوطن من كل أذى إلى أسلاك الأمن المختلفة وكل المواطنين الغيورين على وطنهم وأمتهم العزيزة، وهذه المبادرة الطيبة هي التي سترد للبلاد استقرارها ومصداقيتها.

سيدي الرئيس، إذا قلنا الوئام المدني وكم يترتب عليه من الأشياء التي تعود بالخير على الوطن والأمة، فإنه ينبغي على الدولة الوقوف إلى جانب الأسر التي مسها الإرهاب ومساعدتها وتعويضها ماديا كما جاء في النصوص.

 

سيدي الرئيس، أريد أن ألفت انتباه الحضور إلى أنه إذا كانت التعويضات المادية مهمة، فهناك جانب آخر مهم جدا ألا وهو التكفل بالعواقب النفسية لضحايا الإرهاب وخاصة الأطفال الذين احتفظوا بصور مؤلمة لما أحدثه العنف، فيجب علينا أن نتكفل بهم نفسيا وذلك بتنظيم فرق متعددة التخصصات تقوم بمهمة الرعاية النفسية لهذه الشريحة من المجتمع. ومن جملة الأشياء المستعجلة، التعرف على الحالات الخاصة بالعواقب النفسية ودرجة خطورتها وللوصول إلى ذلك لابد من تكوين، في أقرب وقت، أطباء نفسانيين اختصاصيين في هذا المجال موزعين على المناطق المعنية تكون مهمتهم التكفل بضحايا الإرهاب وإلى جانب هذه الرعاية الطبية الضرورية لابد أن نشير إلى ما يمكن أن تقوم به المدرسة والمعلم من دور فعال في الكشف المبكر عن هذه الأمراض النفسية وهو الأمر الذي يتطلب تكوينا خاصا للمعلمين الذين يعملون بالتعاون مع الطب المدرسي الذي سيلعب دورا هاما في هذا المجال، وكذلك يجب أن نشجع الجمعيات الخيرية المتواجدة في الميدان التي تتكفل بمشاكل ضحايا الإرهاب وتدعيمها بفريق طبي متخصص، لتكون همزة وصل بين الإدارة وضحايا الإرهاب.

سيدي الرئيس، كل هذه المجهودات ستساعد على إدماج ضحايا الإرهاب في المجتمع وهو الأمر الذي يجنب احتمال وقوع فتن ونزاعات يصعب حلها مستقبلا. ولوضع هذا البرنامج حيز التطبيق لفائدة هذه الشريحة من المجتمع بصفة فعالة، نقترح، السيد الرئيس، تنصيب هيئة إدارية جهوية متعددة القطاعات لتسيير برنامج التكفل بضحايا الإرهاب وشكرا سيدي الرئيس.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للدكتور حبيب دواقي والكلمة الآن للسيد عبد الرحمن بلحاج جلول فليتفضل مشكورا.

 

السيد عبد الرحمن بن الحاج جلول: شكرا السيد الرئيس. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، السيد رئيس الجلسة المحترم، السيد رئيس الحكومة المحترم، السيدة والسادة الوزراء المحترمين، زميلاتي زملائي أعضاء مجلس الأمة المحترمين، السادة الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد،

 

إن مشروع قانون الوئام المدني يعتبر قبل كل شيء مسؤولية تاريخية نتحمل جميعا أعباءها وسيشهد التاريخ والأجيال اللاحقة على هذه المحطة الحاسمة التي نحط اليوم بها والتي ستكون منعطفا حقيقيا في تاريخ الجزائر، منعطفا نحو الجزائر المعاصرة والراقية. إن المرحلة الصعبة التي عاشتها البلاد طيلة عشرية كاملة جاءت عقب مرحلة أصعب شهدت فيها الأمة الجزائرية ركودا وتدهورا حقيقيين في كافة المجالات وقد استبدلت فيها القيم الحقيقية لمجتمعنا بقيم زائفة قتلت في داخله روح المبادرة والإبداع والفعالية وحولته إلى مجرد مجتمع مستهلك ينظر إلى الدولة بمنظار دولة المن. إن هذا المشروع المطروح أمامنا للمناقشة ينبثق عن إرادة سياسية كبيرة تحتاج إلى الكثير من الدعم والمساندة ويعبر عن واقع جديد تتطلع من خلاله الأمة إلى تضميد جراحها الدامية وفتح آفاق جديدة لمجتمع أصبح يرفض العنف ويريد السلم.

بعد قراءات متعمقة لنص هذا القانون، نجده سابقة قانونية يقتدى بها وذلك لكونه جامعا وشاملا لمختلف الجوانب والاحتمالات الواردة في سياق خصوصية الدولة الجزائرية والشعب الجزائري، فمن جهة لم يهمل جانب العقوبة على الفعل أو الجريمة المرتكبة محتكما في ذلك إلى سلطان القانون، ومن جهة أخرى لم يغلق باب العودة إلى كنف الدولة، عودة كريمة عن طريق إعلان النية على الاستقامة، واضعا بذلك إجراءات قانونية محددة وواضحة تعالج كل الحالات المطروحة أمامها حالة بحالة، ويعتبر هذا في حد ذاته بحق مثالا رائدا في التشريع الحديث ويدل دلالة صادقة على اجتهاد مشروع لإيجاد حد أدنى من التوازن بين مختلف المتناقضات. فمن جهة يراعي حقوق ضحايا أعمال إرهابية ويكفلها ومن جهة أخرى يحتكم إلى سلطة القانون الذي يستلهم منه مبادئ للحفاظ على هيبة الدولة ومن جهة ثالثة يجتهد في إيجاد مخرج قانوني للأشخاص المتورطين في أعمال إرهابية تلبية للمصلحة العليا للبلاد. لكن هذا كله لا يمنعنا من الجزم بأن الحلول الجزئية والآنية لا تحقق شيئا بل تزيد الأمور تعقيدا وتأزما وهذا استخلاص من التجارب السابقة ونحن نرى أن ديمومة هذا القانون لا تتحقق إلا بتسليط الضوء على كل الاحتمالات المتوقعة وطرحها طرحا شجاعا وموضوعيا وفي هذا الصدد نسجل بعض الملاحظات التالية:

 

        1.        البحث عن وسائل مادية أخرى لإثبات النية الصادقة للشخص الذي يصرح بتوقيف جميع نشاطاته الإرهابية.

 

   2.  إيجاد تقنيات حديثة للمراقبة والمتابعة كوضع مراكز مختصة تضم باحثين ومختصين في العلوم الإجتماعية وأطباء نفسانيين وتقدم هذه المراكز تقارير بخصوص الحالات المعروضة عليها إلى لجنة الإرجاء.

 

        3.      تحديد كيفية تعويض ضحايا الإرهاب المنصوص عليها في المشروع بطريقة تراعي مشاعرهم وتكفل لهم حياة كريمة.

لا يفوتني بهذه المناسبة التاريخية أن نذكر الجميع بأن الدولة القوية هي التي يخضع فيها الجميع لسلطان القانون ويسهر فيها الجميع على احترامه وتطبيقه.

 

 

والمجتمع المتحضر هو المجتمع الذي يؤمن بمنطق العقل ويفضل الحلول الدائمة ويجعل المصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة ويذيب إرادة الأفراد في الإرادة العامة، كما أنه لم يسبق الأمة العربية المسلمة أمة أخرى في هذا السياق إذ قال رسول الله عليه الصلاة والسلام لقريش ماذا تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

كذلك لم يسبق الدولة الجزائرية دولة أخرى في هذا المجال، عندما قدمت مشروع قانون بهذا الحجم والحساسية لتبرهن مرة أخرى كعادتها على عظمتها وعظمة رجالها الواقفين وقفة الأبطال. كما لا تفوتني هذه الفرصة لأعلن تشكراتي الحارة وتقديري الكبير لأفراد الجيش الوطني الشعبي ضباطا وصف ضباط وجنودا وجميع أسلاك الأمن ورجال المقاومة والوطنيين المخلصين الذين قدموا تضحيات كبيرة من أجل أن تبقى الجزائر واقفة. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، المجد والخلود لشهداء الواجب، تحيا الجزائر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد عبد الرحمن بن الحاج جلول والكلمة الآن للسيد نصر الدين بشير بويجرة فليتفضل مشكورا.

 

السيد جمال الدين بلحاج (نقطة نظام): شكرا السيد الرئيس. أسحب تدخلي لصالح السيدة ليلى عسلاوي حتى تتمكن من اتمام تدخلها وشكرا السيد الرئيس.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا. الكلمة للسيد نصر الدين بشير بويجرة فليتفضل.

 

السيد نصر الدين بشير بويجرة: شكرا. سيدي الرئيس، سيدي رئيس الحكومة.

ترحابي الصادق لكم وإن كان الترحاب في الأصل لا يليق بأهل الدار والمكان، أرحب كذلك بالوفد الوزاري المرافق لكم، زميلاتي زملائي، أهل الصحافة، السلام عليكم.

ونحن نتدارس هذا القانون وما يحمله من أحكام لا يمكن سوى الاتفاق على أنه جاء في مرحلة سئم الشعب الجزائري من وضعية اللاأمن ومن وضعية اجتماعية واقتصادية مزرية وأكثر من ذلك ربما فإن الشعب الجزائري أصبح يعاني شبه عقدة نفسية نظرا لما آل  إليه بلده الحبيب، وبهذا المنظور فقط ودون الغوص في الأسباب البينة والدفينة لظاهرة العنف التي اجتاحت البلد، تظهر جليا الأهمية البالغة والتاريخية لهذا النص. ولما نعلم بأن نص هذا القانون يرمي إلى إطفاء نار الفتنة وأنه يمثل إحدى الأدوات الرئيسية الاستراتيجية بغية إخراج الجزائر من طامة الهاوية فلا يمكن سوى الاتفاق مع هذا المسعى الحضاري. ومن جهة أخرى ورغم كون هذا القانون يتناقض والأحكام العامة، التي تحكم الأعمال الإرهابية المجرمة فضروري الفهم بأن طابعه الخاص والاستثنائي هو ناتج عن معالجة لظروف خاصة واستثنائية وعلى هذا الأساس فإن كلمة السلم التي لازمها منذ مدة الخزي والاشمئزاز الكاسح عند البعض لأنها تعني حسبهم الاستسلام، هذه الكلمة هي صلب مفتاح الفرج وانقشاع ضباب الجهل وانجلاء سويداء البغض الدفين والحقد المكيد فالسلم المقصود هو سلام الجزائر وهذا يكفي، والأمر لا يحمل لا علة ولا معلولا بل وأكثر من ذلك فالسلم عفة وعفاف وإن كان في مظهره منطق الضعيف والمتشرد فإنه في الآخير مخرج مآل المتبصر والمدافع عن المصلحة العامة التي لا تعلوها مصلحة، ومصلحة الجزائر مغزاها وغايتها ارتداء المعطف الأخضر، معطف الأمل وأحسن من ذلك معطف المستقبل المشرق. تأسيسا على هذا الكلام وانطلاقا من نص هذا القانون الذي يبتغي إنهاء ظاهرة العنف فلابد في البداية التواري إجلالا موجهين طرفنا لنقول، ولتهدأ ضحية الإرهاب، فالدولة كفيلة بالقصاص والعقاب وهي الأولى بذلك لأنها هي التي يجب أن تعزي في كل الضحايا فموتهم استشراق لمستقبل البلاد ولكن رغم هذا وموقفنا واضح في هذا الأمر فأحق المحقين بالكفالة والتكفل هم هؤلاء وقبل كل شيء، وما الدولة سوى دولتكم ومن ثم فلزام عليها احتضان عائلاتهم. مما لا شك فيه، وإيماننا قوي في هذا الشأن بأن هذا القانون سيكون انطلاقة إيجابية للدخول في عهد الأمان والسكينة وهما شرطان ضروريان للاضطلاع بحل المشاكل التي تعاني منها الجزائر حاليا، لكن ورغم كل الميزات التي يحملها نص هذا القانون بين طياته فلابد على الدولة التي نريدها قوية ألا يتسم مسيروها بالسذاجة في مواجهة ظاهرة الإرهاب وهذا يعني أن الحذر ضروري ولازم ولعل الذكرى تنفع المؤمنين. إلى جانب هذا أود السيد رئيس الحكومة معرفة الكيفية التي ستتبع لتطبيق أحكام هذا القانون على المنظمات الإرهابية.

ختاما لا يفوتني التنويه بكل التضحيات التي قدمها جيشنا العتيد وكل أسلاك الأمن والوطنيين المخلصين ولعل نص هذا القانون سيكون إشراقه على المستقبل وشاهد عيان على الجرأة والثقافة السياسية للسيد رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة، وفقنا الله وإياه لما فيه الخير لشعبنا وبلدنا العزيزين وشكرا.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد نصر الدين بشير بويجرة والكلمة الآن للسيد السعيد معايفية فليتفضل مشكورا.

 

السيد السعيد معايفية: شكرا السيد الرئيس. بسم الله الرحمن الرحـيـم، السيد رئيس الجلسة المحترم، السيدات والسادة أعضاء مجلس الأمة، السيد رئيس الحكومة، السادة الوزراء، السادة الحضور، السلام عليكم.

سيدي الرئيس، إنني جد مستبشر خيرا بالخطوات الجبارة التي تخطوها بلادنا في الأشهر الأخيرة نحو الرقي والازدهار ومشروع القانون الذي بين أيدينا خطوة إضافية وأساسية بنظرة متأنية متدرجة نحو إيجاد حل شامل بسياسة جنائية رحيمة تكفل العودة إلى القيم الأصيلة للمجتمع الجزائري من تسامح وتراحم.

 

سيدي الرئيس، مما لا شك فيه أن هذا القانون وسيلة قانونية هامة في تخفيف بؤر العنف والإرهاب والتخريب من مجتمعنا لما يمتاز به من ميكانيزمات وآليات قانونية جديدة متطورة تتجاوب والسياسة الجنائية الحديثة في تقويم الفئات الجانحة وإعادة إدماجها في المجتمع الجزائري، باتباع أساليب التحسس والتروي التي تؤدي إلى الإعفاءات من المتابعة أو التخفيف العقابي خاصة إذا أبدى المورطون والمتورطون في أفعال إرهابية وفقا للمادة 3 من نص هذا القانون، نواياهم في التكفير عن ذنوبهم والعودة إلى جادة الصواب.

 

لكن سيدي الرئيس، ما نخشاه ونؤكد عليه هو عمومية المادة 29 من هذا النص كذلك المادة 41 من هذا النص تجعلنا نلح على التصدي الصارم والشديد على الإجرام الدموي حتى لا يتنصل من العقاب أو يستفيد من ظروف التخفيف المنصوص عليها في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية وهذا القانون ذاته. كما يتضح سيدي الرئيس، في هذا النص مهام خطيرة وأساسية في حماية الحقوق والحريات، مسندة إلى لجان، يتطلب النص الصريح على الصلاحيات المناطة بها حتى لا تتعسف في السلطة التقديرية وتتصرف بيروقراطيا بما يضر بروح النص وأقصد على وجه التدقيق صلاحيات مندوب الإرجاء وطرق تعيينه، كذلك سيدي الرئيس، ألح على توضيح المادة 18 أي من له صفة إخطار لجنة الإرجاء؟

هذه سيدي الرئيس مجموعة من الملاحظات والاستفسارات إلى جانب الاعتزاز والافتخار بالنهج القويم نحو التجديد، شكرا على الإصغاء والسلام عليكم.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد السعيد معايفية والكلمة الآن للسيد محمد خاخة فليتفضل مشكورا.

السيد محمد خاخة: شكرا. السيد الرئيس، السيد رئيس الحكومة، إخواني الوزراء، زميلاتي، زملائي، أعضاء مجلس الأمة.

نحن أمام قانون ليس ككل القوانين، قانون متميز لكونه يشكل حجر الزاوية لإخراج الجـزائرإن شاء الله- من أزمتها، قانون جاء والجزائر في وضع قوي تتوفر على كل الطاقات الكفيلة باتخاذ أي قرار ترى فيه مصلحتها، لا ننسى أيها الإخوة، أيتها الأخوات أن بالأمس القريب كانت الجزائر في شبه عزلة وشبه حصار وكانت مستهدفة من الجميع. البؤس، الحرمان، اليأس وانعدام الثقة كانت هي السمات المميزة للمجتمع. الخوف وعدم الاطمئنان "والحقرة" وانتهاك الحرمات وقتل الأطفال وإبادة عائلات بكاملها كانت هي المنطق السائد وجزءا من يوميات المواطن. حالة من الحيرة والشلل والذهول والعجز أصابت أشقاء وأصدقاء الجزائر حيث كان الجميع يتساءل عما يحدث وعن هول الفاجعة وقساوتها وعما أصاب هذا البلد الذي كان بدون منازع متميزا في كل شيء، متميزا في ثورته ونضاله وطاقاته وشعبه وحتى في جغرافيته.

 

السيد الرئيس، القانون جاء والجزائر قد استكملت بناءها المؤسساتي وأنجزت خطوات هامة في ميدان الإصلاحات رغم ما ترتب عن ذلك من مآس اجتماعية. جاء القانون وثقة الجزائريين في أنفسهم وفي دولتهم ومؤسساتهم وفي قوات الأمن تزداد وتتعزز يوما بعد يوم. هذا ما يجعلنا نناقش هذا القانون والأمل يحدونا أن نتجاوز الأحقاد وبذور الفتنة ونتوجه بخطى ثابتة ومؤكدة لتحقيق السلم والأمن المدنيين. إن المبادرة الحديثة للسيد رئيس الجمهورية، تأتي منسجمة مع برنامجه الانتخابي ونحن جد مقتنعون أن الوئام المدني لا يتحقق إلا بالمصالحة وأن عودة الأمن شرط أساسي لمواجهة الرهانات الكبيرة في جل الميادين الثقافية، الاقتصادية أو الاجتماعية. إننا نؤكد مساندتنا للقانون ونؤكد في نفس الوقت على إلزامية وضرورة التكفل بجدية أكثر بضحايا الإرهاب وندعو إلى ضرورة الحيطة من الخلط بين المجرم والضحية، بين المعتدي والمعتدى عليه، بين من قتل الأطفال والعجائز والشيوخ وبين من وقف صامدا يواجه مخططات التدمير. إننا إذ نحذر من ذلك لأننا ندرك جيدا أن موضوع الوئام يعني الجميع وأن نشر ثقافة السلم والتسامح ونكران الذات والقدرة على تجاوز مأساة الماضي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال سلوكات حضارية يعتمدها الجميع. إن أمل الخروج من الأزمة وبشكل نهائي الذي برز في الأوساط الشعبية شرقا وغربا جنوبا وشمالا وعلى مستوى الطبقة السياسية والجمعيات عند الأشقاء وحتى الخصوم، لا يجب أن يعيق هذا الأمل أو أن يعكر صفوه بروز مظاهر وسلوكات عند الشروع في تطبيق هذا القانون، لأن المظاهر الاحتفالية ونشوة الانتصار التي أراد بعض المستفيدين من إجراءات العفو الرئاسية وعائلاتهم الظهور بها،  قد تأخذ طابعا استفزازيا تجاه ضحايا الإرهاب وذويهم، لا ننسى أن عائلات بكاملها أبيدت، لا ننسى الأرامل واليتامى ولا مظاهر التدمير والحرق والتعدي على الحرمات. رغم كل ذلك، إذا صدقت النوايا والتزم الجميع على قلب الصفحة رغم عمق الجراح  فيجب أن يكون ذلك من خلال سلوكات تتسم بالشعور بالندم عند هؤلاء والسمو بالنفس إلى درجة عالية من الصفح عند أولئك، لا يمكن لأي أحد منا أن يدرك حقيقة مشاعر امرأة فقدت زوجها أو ابنها أو أخاها، أم انتهك عـرضـهـا أو أب اختطف ابنه وما أكثر هؤلاء.

 

ماذا عسانا أن نقول لهؤلاء جميعا؟ نقول لهم: إذا كان هذا القانون بإمكانه أن ينقذ ولو حياة جزائري واحد أو أن يجفف ولو دمعة واحدة فلا نتردد في المصادقة عليه.

أيها الزملاء، نحن محظوظون كثيرا لأن التاريخ سيسجل أننا ساهمنا في مناقشة هذا القانون والمصادقة عليه كما سيسجل للشعب غدا أنه استفتي فأفتى لصالح الوئام المدني وسيسجل لإفريقيا أنها كانت شاهدة على تحقيق الوئام والسلم بين الجزائريين من طرف الجزائريين وحدهم، وكانت الشاهد من خلال رؤسائها على تحقيق هذا الإنجاز التاريخي الهام.

السيد الرئيس، الوئام شيء جميل والأجمل منه أن تتوفر الشروط الضامنة لاستمراريته، وهنا أود أن أقول، السيد الرئيس، السيد رئيس الحكومة بأن الوئام يتحقق من خلال نشر ثقافة السلم والتسامح التي تتحقق باتخاذ مجموعة من الإجراءات نذكر منها على الخصوص:

-   توسيع دائرة هذا العفو لتشمل الإطارات المسجونة -وما أكثرها- من خلال فتح هذا الملف بنفس الجرأة التي مكنتنا من تناول هذا القانون.

 

-       فتح ملف العدالة واستقلالية القضاء بما يمكن من كسب ثقة المواطن في هذا القطاع الحساس.

 

-   تناول ملف الآلاف ممن هم في وضعيات أقل ما يقال عنها أنها غامضة، لاهم محكوم عليهم ولا أعيد لهم الاعتبار للالتحاق بمناصب عملهم.

-       تفعيل الساحة بما يمكن المجتمع المدني من المساهمة في تحقيق هذا الإنجاز الحضاري العظيم.

 

السيد الرئيس، السيد رئيس الحكومة، إن ردود الفعل الإيجابية التي لمسناها على المستوى الشعبي وحتى على مستوى الخارج، تجعلنا نشعر بالمسؤولية لإعطاء الوئام معانيه الحقيقية وذلك من خلال ترسيخ الممارسات والسلوكات التي من شأنها إعادة الاعتبار للقيم الأخلاقية التي بدونها يصبح أي مسعى مهما كانت أهميته بدون جدوى بحيث لا يمكن تصور أي مشروع اقتصادي كان أو اجتماعي أو ثقافي أو تربوي بدون توفر مناخ يتسم بالأمن والسلم، مناخ يمكن من تعويض الخوف بالأمن والرداءة بالكفاءة والجهل بالعلم والتسيب بالجدية لأن جو اللاأمن الذي عشناه في الفترة الأخيرة أدى إلى بروز سلوكات أساسها المحاباة، الرشوة، الجهوية، التفنن في "الحقرة" ونهب الملك العام والثراء الفاحش، سلوكات استعملت فيها أحيانا الأزمة وجو اللاأمن كغطاء.

القانون نوافق عليه بدون تحفظ ونتمنى أن يكون حلقة تتبع بحلقات أخرى تهدف كلها إلى بناء دولة أساسها القانون وحده، وأملنا كبير في ذلك، لأن حجم التضحيات كبير وأود فقط أن ننطلق من شيء أساسي يتمثل في تجاوز الغوص فيمن كان صائبا وفيمن كان مخطئا، من كان مذنبا ومن كان محقا ولنترك ذلك للتاريخ وليتقاسم الجميع التركة بما لها وما عليها والمهم هو المستقبل، كيف نعدله؟ كيف نوقف النزيف والمأساة؟ كيف ننطلق في إعادة الإعمار والبناء؟ كيف نضمد الجراح؟ وكيف نشعر بأزمة ضمير؟ كيف نجعل من عملية القصاص  تأخذ بعدها الأخلاقي؟ ولكن أرجو ألا يفهم من كلامي هذا تبرئة القتلة والمجرمين وسفاكي الدماء والمعتدين على الحرمات، أقول هذا لأنني أدرك جيدا أن الضرورة تقتضي اعتماد الحيطة والحذر في التعامل مع الموضوع خاصة أثناء مراحل التطبيق.

وفي الأخير، أملنا كبير في أن يتحقق حلم الجميع بعودة الجزائر إن شاء الله وبصفة نهائية إلى سابق عهدها

 

السيد رئيس الجلسة: شكـرا للسيد محمد خاخة والكلمة للسيد عبد القادر فضيلي فليتفضل مشكورا.

 

السيد عبد القادر فضيلي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. سيدي الرئيس، سيدي رئيس الحكومة المحترم، معالي السادة الوزراء، زملائي زميلاتي المحترمين. بادئ ذي بدء أريد أن أحيي السيد رئيس الجمهورية على هذه المبادرة التاريخية التي تدخل في إطار-وتعتبر بحق- تطبيق أول وأهم نقطة  في برنامجه والتي وعد بها الشعب الجزائري، وستكون أهم هدية، في رأيي تقدم للشعب الجزائري في هذا العيد، عيد الاستقلال والشباب، كيف لا وهي تحقن دماء الشعب الجزائري المسلم وتستعيد الوئام الوطني الذي نصبو إليه جميعا.

باختصار، سيدي الرئيس، عندي ثلاث ملاحظات، أرجو استدراكها عن طريق التنظيم إن رأى السيد رئيس الحكومة المحترم أنها ملائمة. الأولى متمثلة فيمن هم داخل السجون حاليا أو خارج السجون بعد قضاء مدة العقوبة ولم يحكم عليهم نهائيا بسبب الاستئناف من طرف النيابة أو من طرفهم، فلاهم استفادوا من عفو رئيس الجمهورية ولاهم استفادوا من هذا القانون خاصة إذا قارنوا أنفسهم بالمذكورين في المادة الأولى من هذا القانون، فلابد أنهم يروا أنفسهم مظلومين بالمقارنة مع هؤلاء، وأتساءل إن كانت المواد 3، 36 و37 تشملهم وكيف يستفيدون منها إن كانت تعنيهم هذه المواد عمليا؟

 

الملاحظة الثانية تتعلق بلجنة الإرجاء الواردة في المادة 15، أرى أن يمثل الشعب فيها بأحد المنتخبين وليكن على سبيل المثال رئيس المجلس الشعبي الولائي، لأن معرفة الأشخاص عائليا من الناحية الاجتماعية لها ما يبررها.

 

الملاحظة الثالثة متعلقة بالطعن، فأرجو أن تكون لجنة الطعن بالإضافة الى رئيس محكمة مقر الولاية من تشكيلة أخرى غير المذكورة في المادة 15 أو توسع إلى محافظي الشرطة وقائد مجموعة الدرك الوطني على مستوى الدائرة وممثل عن المجتمع المدني لأنه لا يمكن الطعن في قرار عند الهيئة التي أصدرته.

وفي الأخير نقول إننا نتألم للذين ذبحوا واغتيلوا واختطفوا واغتصبوا، نتألم للذين ذبحوا في عين أنفوس وأولاد رياب والرحامنة وبوتر كفيل وسيدي بوزيد والأغواط وغيرهم في جميع باقي التراب الوطني، ولا  يسعنا في هذا المقام إلا أن نترحم عليهم وننحني أمام أرواحهم بخشوع وأدعو الجميع حكومة وشعبنا ومنظمات وأحزاب للتضامن معهم ماديا ومعنويا للتخفيف من آلامهم التي يجب على المجتمع أن يعيها ولا ينساهم وإشعارهم في كل حين أننا متضامنون معهم ومتألمون لآلامهم وهذا ما يطلبونه منا لا أكثر ولا أقل صابرين محتسبين لأن الوئام والصلح والتضامن قيم راسخة ومتأصلة في تقاليد شعبنا الأبي الكريم عملا بقوله تعالى "والصلح خير" وشكرا والسلام عليكم.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد عبد القادر فضيلي والكلمة الآن للسيدة زهور ونيسي فلتتفضل مشكورة.

 

السيدة زهور ونيسي: بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي الرئيس، سيدي رئيس الحكومة، السيدة والسادة الوزراء، الأخوات والإخوة الأعزاء أعضاء المجلس.

أحييكم وبعد، إن الذي يتمعن في مقدمة قانون الوئام المدني، ويقرأ ما بين سطورها، يتأكد له فعلا أن لكل مجال من المجالات مختصون، ورغم تجربتي البرلمانية إلا أنني لا أدعي أبدا أني قادرة على وضع أحسن منها، والمواد نفسها التي كنت أبحث فيها عن منافذ لتخوفاتي وتحفظاتي وجدتها محكمة في ذكر الأسباب وتوقع النتائج، إن إحكام أحكام مثل هذا المشروع الهام والحساس من شأنه أن ينهي الكثير من التخوفات والتحفظات المشروعة وغير المشروعة، خصوصا احتمال طول عمر الأزمة للقادم من الأجيال كتلك النار التي تظل تحت الرماد لكنها لا تنطفئ أبدا، كما أنني لا أدعي القدرة على تحليل الوضع الذي أدرج فيه هذا المشروع لسبب بسيط هو أن المعطيات والحقائق والوقائع والأرقام التي كانت حيثيات لإصدار مثل هذا النص، لا أمتلك منها إلا القليل القليل وهو ما يمكن أن يعرفه أي مواطن عادي من خلال صحافة وإعلام، كثيرا، حتى لا أعمم، أقول: كثيرا ما يعتمد التهريج والمغالاة تارة، والتهويل والتعتيم تارة أخرى، وكل ذلك لتحقيق أغراض تجارية مرة وحزبوية سياسيوية في الكثير من المرات، لا علينا، لذلك أجدني أعتمد من خلال هذه المداخلة الوجيزة على ملاحظات ثلاث:

الأولى: الشعور بالثقة التامة في قيادة تحاول جادة أن تخرج البلاد من هذا المنزلق الخطير بشجاعة ومبادرة وطنية لم تكن بلادي ولا شعبي في حاجة إليها أكثر من اليوم، الثقة في القيادة العليا سياسية كانت أو عسكرية أم قضائية أم تنفيذية وأمنية، لأنها مجتمعة تدرك ما يجري وتحيط إحاطة كاملة بمختلف جوانب الموضوع بما تملكه من معطيات صحيحة.

الملاحظة الثانية: ونحن ندرس ونناقش، أرى أنه لابد من ضرورة الابتعاد عن ركوب موجة هذا النص وجعله منبرا للمزايدة والدفاع، ربما عن شعارات وأفكار مل المواطن من استعمالها لأنها أصبحت كأنها قميص عثمان تشبه كلمات الحق التي أريد بها الباطل، شعارات بعيدة كل البعد عن واقع هذا المجتمع وآلامه وآماله. إن الشعب مل من استثمار آلامه وأوجاعه. إن المتاجرة بالدماء والضحايا في النهاية لا تخدم إلا الفتنة ولتأجيج نار الفتنة يمكن للكلمة المزيفة الغادرة أن تؤدي نفس الدور الذي تؤديه الرصاصة الغادرة.

 

أما الملاحظة الثالثة والأخيرة: فهي أن المقدمة تحدثت عن معالجة ثلاثية الأبعاد، العقاب الصارم والتصدي الحازم ولكل مصطلح مغزاه طبعا، والفترة الزمنية للاختبار والتجاوز والحلم. وهذه الأبعاد الثلاثة من شأنها طبعا العمل على إبطال مفعول مخطط تدميري أشاع الفتنة وعمم الشك وكرس الرداءة وقضى على الكثير من القدرات والمقدرات والعبقريات وبالتالي على أسس الدولة وسلامة المجتمع.

 

إن الكثير من الأمور والتطلعات مرهونة بالأشخاص الذين ستسند إليهم المسؤوليات في تطبيق هذا القانون، وبالرؤية السليمة التي يملكونها، تعززها التجربة والوعي الوطني، أشخاص قادرون على حرية اتخاذ القرار، خارج دوائر الضغط في الداخل أو تحت تأثير مراكز قوى خارجية تؤثر في قراراتهم بشكل أو بآخر. لقد تأكدت من النص، أن حق القصاص والعدل ورد الاعتبار ماديا ومعنويا ونفسيا للضحايا من هذا الشعب الذي دفع الثمن غاليا حيث استحلت منهم الأرواح وانتهكت الأعراض وسلبت الأرزاق وأفقدوا الأمن والاستقرار وأبطلت بسبب كل ذلك عمليات تنمية الأسرة وترقية المجتمع لمدة عقد طويل من الظلام والهمجية، بعد أن تأكدت من توفر كل ذلك في نص المشروع، أريد الإشارة إلى أن الوئام المدني لا يقتصر فقط على وضع السلاح وإصدار مرسوم عفو أو قانون وئام ولكنه أيضا ضرورة العمل وبسرعة وبجدية على مراجعة لمختلف منظوماتنا التربوية والتعليمية والتكوينية والقضائية بما يخدم التوازن النفسي والفكري والروحي لدى الأجيال القادمة ويضمن بناء المواطن السليم الذي لا تهزه العواصف والرياح مهما كانت عاتية.

الوئام المدني يتطلب تكريس ثقافة عقلية تنمي السلام والتسامح والتعاون والتضامن.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيدة زهور ونيسي والكلمة الآن للسيدة أنيسة بن عامر فلتتفضل مشكورة.

السيدة أنيسة بن عامر: شكرا. السيد الرئيس، السيد رئيس الحكومة، السادة الحضور.

 

أستسمحكم سيدي الرئيس، أن أبدأ تدخلي هذا بالتركيز على مجال يرتبط أكثر بالتوقعات المستقبلية الاجتماعية مما يرتبط بمجموعة من الملاحظات يمكن أن نبديها حول محتوى هذا النص على وجه الخصوص. إن الرسالة التي استوفيتها عن طريق وضع هذا النص القانوني بين أيدينا أكبر وأشمل وتفوق بكثير حجم أحكامه، الشيء الذي يجعلني لا أتوقف عند محتوى إجراءات هذا النص. إن هذا القانون يعتبر نقطة انطلاق لمجموعة من الإجراءات تهدف كلها إلى الإنشاء الفعلي والميداني للوئام المدني، نقطة الانطلاق هذه تسمح لنا بأن نشرع حقيقة في مسار ارجاع الأوضاع إلى طبيعتها العادية ونأتي ببذور الحلول لكل السلك الاجتماعي لأنه لا يمكننا أن نشرع لكل القضايا ويتعلق الأمر أيضا -وبمساهمة الترسانة القانونية- باتفاق أخلاقي يلزم الجميع ويشاركهم هذا الأخير في إقامة مشروع اجتماعي واحد وموحد.

لقد لاحظ الجميع الإشارات القوية واليقين العميق- التي صدرت عن رئيس الجمهورية الذي تعود إليه مبادرة توجيه مصيري، يصمم ويؤثر على مستقبل بلادنا.

إن ما أعتبره شخصيا كمشروع اجتماعي والمتمثل في الوئام المدني المقترح قد استجاب فعلا لرغبات كل واحد منا، فلا يوجد خطاب يخلو من هذا الموضوع ولا حلم لا يصوره ولا طموح لا يكون موضوعا له.

إن القانون المتعلق بالوئام المدني ليس كما أراد البعض تفسيره كتراض بين بعض الأطراف لتوقيف عمليات عسكرية فقط، بل إن الوئام هو عبارة عن عملية كبرى حقيقية ينبغي أن يقوم بها كافة المجتمع لنفسه وبنفسه مع طبعا- مساهمة المؤسسات الوطنية المعنية على أن يكون الضامن الأساسي القوي لتحقيق هذا الهدف، يتمثل دستوريا في رئيس الجمهورية نفسه. إن هذه المبادرة صارمة وشجاعة، صريحة وملموسة لا تترك مجالا لأي خلفية أو نوايا خفية ولقد سعى هذا المشروع أيضا إلى وضع حد لكثير من المضاربات ورفع الشبهات ووقف الاستعمال التجاري للعديد من القضايا السياسية والاجتماعية من طرف جهات معينة ومعـروفة على كل حال- بما أنها عاجزة عن اقتراح بدائل غذت بصفة إرادية ومستمرة الإشاعات التي سببت توترات هدامة وغموضات مختلفة، ليتوقف صانعو الرأي العام عن التشكيك بأن هذا القانون عبارة عن استسلام وتسليم، وكأنه نتيجة تراض يخفي أشياء غامضة، فهدف هذه المجموعات هو تغذية التشكيك والخلط وزرع الشك والقضاء على الأمل كل الأمل- فينبغي السعي والعمل على جعل الحاضر مقبولا والمستقبل ثابتا، كيف نصل إلى أن نجعل بلادنا تسمح بصراعات لا تترجم إلى تقتيل بعضنا البعض، لا يحق لنا أن نتوهم، لا يمكن لأي مجتمع أن يخرج سليما من مثل هذه المحن التي عشناها وفي نفس الوقت لا يمكن أن يأتي العلاج إلا من المجتمع نفسه. إن التهدئة ستكون طويلة وشاقة فهي مسار حقيقي يسجل في الزمان فالمهم اليوم هو ما وراء محتوى القانون ويريد منه رئيس الجمهورية زرع بذور الأمل ووضع أسس إعادة تشييد الأمة وإعطاء معنى حقيقي للدولة. ينبغي ألا ننسى كل النضالات والكفاح المنتهج منذ سنين طويلة من أجل أن تحيا الجزائر وينبغي التأكيد أيضا على أن الأشخاص والأطراف الذين قاموا بذلك، لم تسيرهم مصالح أخرى سوى تلك التي منعت بلادنا من الانحلال وكلما أتيحت لنا الفرصة يجب علينا أن نحييهم ونمجدهم وأخص بالذكر الجيش الوطني الشعبي وكذا المجتمع المدني. إن هذا القانون هو سابقة ذات أهمية بالغة وهو ليس غاية في حد ذاته فمناقشته والاتفاق عليه والرضى به ضروريان، لكنهما غير كافيين بل يتعين، ومن الآن، التفكير فيما سيحصل بعد المصادقة على هذا القانون وكيف نواجه كل العواقب قصد الاستفادة القصوى من ذلك لصالح المجتمع ككل فيجب التفكير في كيف يمكننا التعايش مع بعضنا البعض رغم الويلات والحقد الذي أراد البعض زرعه ودوافع الانتقام الفردية منها والجماعية الممكن توقعها. لا أتكلم عن الضحايا فقط لأن كل الجزائريين على كل المستويات وبدرجات مختلفة عاشوا هذه المأساة، فالمشكل يطرح على الأمة جمعاء، علما أن الاستراتيجية الإرهابية تقوم على المبدإ الذي لا يعتبر الضحية الهدف الحقيقي بل المجتمع بأكمله مستهدف، المأساة مشتركة فلابد أن يكون التكفل جماعيا. إن لم شمل الأمة وبكل فوارقها يهدف إلى بناء مستقبل للجميع مهما كانت مهمة الدولة، فهي غير كافية إذا لم يعتبر كل واحد منا نفسه معنيا، على كل واحد منا الالتزام بالسيطرة والتحكم في دوافعه الفردية، الضرورة تحتم أكثر من أي وقت مضى على أن تذوب كل تظلماتنا في الهدف المشترك وهو أن نلتقي ونبني مجتمعنا، هذا المجتمع الذي تنتظره تحديات عديدة ومتطلبات مختلفة وهذا على  الصعيدين الوطني والدولي. إن تعريف معنى الوئام المدني وفهمه يبقى شخصيا وكل واحد منا يفهمه بطريقته الخاصة حسب قدراته والمعطيات التي يملكها وتاريخه الشخصي

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيدة أنيسة بن عامر والكلمة للسيد محمد عليوي فليتفضل مشكورا.

 

السيد محمد عليوي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على نبيه الكريم. السيد رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة، السادة أعضاء الحكومة، زملائي، أعضاء مجلس الأمة الموقرين، تحية المحبة والأخوة والسلام وأقول السلام عليكم ورحمة الله.

أقف في البداية وقفة إجلال وإكبار وخشوع أمام الأرواح الـزكية الطاهرة لضحايا الإرهاب الهمجي الأعمى وأخص بالذكر الفلاحين العزل الذين طالتهم يد الإجرام والغدر وهم في غفلة من قدرهم يصارعون الطبيعة لإنتاج الحب والنبات والزرع، متواجدين في كل ربوع وطننا الحبيب، هذه الفئة التي تحملت ولازالت تتحمل كل الصعاب والأعباء الاقتصادية والاجتماعية، ولازالت تتحمل المزايدات السياسوية. ورغم المأساة الوطنية الطويلة والشاقة التي مستهم في أرواحهم وممتلكاتهم إلا أنهم وقفوا صامدين مدافعين عن أرضهم وعرضهم ووطنهم بالدم والعرق حاملين السلاح للتصدي للمؤامرات الدنيئة التي استهدفت الجزائر في عمقها نتيجة مواقفها التاريخية.

إن التضحيات الجسام التي قدمها الفلاح في الجبال والوديان والسهول والأرياف والذي كان في بداية الأزمة لقمة سائغة للأفواه الهمجية، وهو الذي ضحى بالأمس بالنفس والنفيس ولم ينصف واستمر في العطاء في مختلف مراحل التنمية الوطنية وتحمل مسؤوليته في كل الاستحقاقات ولبى نداء الاتحاد لأنه وضع الجزائر فوق كل اعتبار وأدرك أن لا وطن بديلا عن الجزائر ولا أرض تسقى بعرقه إلا أرض الجزائر.

كما أشيد بالدور الجبار الذي قامت به قوات الجيش الوطني الشعبي ورجال الأمن وكل من حمل السلاح للتصدي للإرهاب الهمجي ووقف انتشاره والذين بفضلهم لم يصل الإرهاب إلى مبتغاه ولم تتحقق أهداف المؤامرة الدنيئة للنيل من العمق الجزائري بإدخال الجزائر في حرب أهلية لا نهاية لها.

 

فبهذه المناسبة أسجل شكري وعرفاني بالمجهودات المبذولة من طرف قوات الجيش والأمن للحفاظ على سلامة الجزائر والنظام الجمهوري، وسارع في العهد الجديد إلى مؤازرة من رأى فيه أمل الجزائر وعـزتها فانتصر له وأيده على غيره  فجاءت أول بادرة خير لإطفاء نار الفتنة والمصالحة الوطنية، هذه البادرة وقضية السلم والأمن لم تأت هكذا ولم تكن بالأمر الهين أو السهل كما يراه  البعض بل كان العمل شاقا وبذل جهد كبير للوصول إلى هذه الهدنة والمصالحة الوطنية.

وكان لابد من ذلك لتحقيق انفراج أولي للأزمة لأن أرقام المأساة الوطنية وأرواح الجزائريين استدعت هذا الجهد وأن الإيمان بحقن دماء أبناء هذا الوطن الأبي والحفاظ على أرواحهم وممتلكاتهم وتوفير حياة الاستقرار والطمأنينة استدعى ذلك فجاء مشروع قانون الوئام المدني الذي يضمن التكفل بانشغال المواطن ويؤدي لا محالة إلى الأمن والاستقرار.

السيد رئيس الجلسة، ها نحن الآن أمام فرصة تاريخية لإنهاء المزايدات السياسيوية التي كادت أن تعصف بالبلاد وتؤدي بها إلى الانفجار والمتمثلة في مشروع قانون الوئام المدني والذي تطلب جهدا شاقا ويهدف إلى تحقيق غاية سامية لكل الجزائريين -حتى أصبحت مثالا في حديثهم "الهنا ولا الغنى"- ألا وهي استعادة الاستقرار التام وإنهاء أشكال التهديد في الأرواح والممتلكات التي دامت سبع سنوات.

فبهذه البادرة الشجاعة والتاريخية لفخامة السيد رئيس الجمهورية التي أعلن عنها وأكد التزامه بتوفير كل الشروط وبذل قصارى الجهد لتوفير كل ما من شأنه أن يوقف الدم والدموع أثناء الحملة الانتخابية، فوعد وصدق ما عاهد الله عليه فطوبى له إنه من الصادقين.

 

السيد رئيس الجلسة، زملائي، أعضاء مجلس الأمة الموقر، ها هي الفرصة أمامنا لنضيف جهدا إلى جهود المخلصين في هذا الوطن، لنساند ونؤيد ونقف وراء هذا المشروع كرجل واحد ونتحدى وإياه العالم ونثبت لهم أننا قادرون على حـل مشاكلنا بأيدينا دون مساعدة ولا تدخل رغم التواطؤ الدولي لاستمرار الأزمة وحصار الجزائر لتركيعها والنيل من شعبها.

 

 

فإن أردنا العزة والكرامة للجزائر فلنؤازر ونساند صاحب هذه الشجاعة، لا نقول يجب أن ننسى وأن تضميد الجراح هو بالأمر السهل ولا نقول يجب أن ننسى الماضي حتى لا نجرح مشاعر أي مواطن جزائري لكننا نقول يجب علينا قلب صفحة الماضي دون تمزيقها، وإعادة المحبة والأخوة بين الإخوة الفرقاء، والتضامن الوطني الجزائري المتميز للشعب ولنبدأ بالمصادقة عن قناعة واقتناع على مشروع قانون الوئام المدني. ونؤكد للجميع أنه لا حل ولا طريق للانفراج إلا طريق الوئام والتلاحم والتآخي والاستقرار ولنبدأ معا في البناء والتشييد ومحاربة بقية الآفات الاجتماعية التي تمتص كل القدرات الوطنية وتستنزف كل جهد في درب التنمية والتطور الوطني. ولإنجاح قانون الوئام المدني بعد الاستفتاء الشعبي والمصادقة عليه، أقترح إنشاء لجان ولائية -وإن استلزم الأمر في كل بلدية- لمتابعة تنفيذ وتطبيق القانون نصا وروحا.

 

وفي الأخير أوجه نداء إلى كل الفلاحين وعمال القطاع الفلاحي وكل الجزائريين بتبني قانون الوئام المدني بالتصويت بنعم للسلم والاستقرار، نعم لمؤازرة السيد رئيس الجمهورية، فهبوا جميعا إلى نصرة الجزائر في كل أهدافها الوطنية، لنبدأ عهدا جديدا على الطريق الصحيح. دمتم سندا قويا للجزائر وموردا لاستمرارها والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد محمد عليوي والكلمة للسيد مدني برادعي فليتفضل.

السيد مدني برادعي: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين. السيد رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة والوفد المرافق له، زميلاتي زملائي الأفاضل أعضاء مجلس الأمة، السادة رجال الإعلام، السلام عليكم.

السيد رئيس الجلسة، بعد اطلاع المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني بمجلس الأمة على محتوى مشروع قانون الوئام المدني والذي يهدف إلى استعادة الوئام نلاحظ بادئ ذي بدء أنه يأتي في سياق الحملة الانتخابية التي قام بها السيد رئيس الجمهورية والذي يعتبر حزب جبهة التحرير الوطني أحد الأحزاب الأساسية الداعمة لبرنامجه والذي من ضمنه مسعى الوئام المدني الذي يؤسس استرجاع السلم ومن ثم الاستقرار الذي يمكن البلاد من استرجاع  وتيرة التنمية والتشييد.

السيد رئيس الجلسة، لا يخفى على أحد أن الأزمة التي عصفت بالبلاد قرابة عقد من الزمن نخرت جسم المجتمع وأخرت البلاد وكادت أن تأتي على الأخضر واليابس وبذلك أصبحت أزمة متشابكة، متعددة الجوانب لا يمكن فك خيوطها ولا يمكن القضاء عليها دون الولوج إليها من باب السلم ومفتاحه في اعتقادنا هو الوئام المدني الذي نحن بصدد مناقشته والمصادقة عليه.

أيها السادة، إن بلادنا اليوم تكاد تكون معطلة تماما فمن منا من  يتصور النهوض واللحاق بركب الشعوب المزدحمة على باب الألفية الثالثة وبلدنا يسير بثلث الوقت من الساعة الثامنة صباحا إلى الساعة الرابعة مساء والباقي هو وقت استولى عليه الخوف والإرهاب.

إن الشعب الخائف وغير المطمئن على حياته وعياله متعب نفسيا، منهار اقتصاديا، يصارع من أجل لقمة العيش بصعوبة.

 

السيد رئيس الجلسة، لقد استمعنا في صبيحة هذا اليوم إلى مرافعة السيد رئيس الحكومة حول نص قانون الوئام المدني وكانت هذه المرافعة جيدة وكانت الحجج التي قدمها دامغة وكيف لا وهو يرافع من أجل السلم، يريد أن تتحول الكلمة الطيبة موضع الرصاصة الطائشة، وغصن الزيتون بدل الأشواك التي تزرع هنا وهناك، ومن يزرع الشوك يجني الجراح.

 

 

فلا أعتقد بعد هذا أنه بإمكاني حشد حجج أخرى تبرر وتصور مسعى آخر غير هذا المسعى.

 

 

السيد رئيس الجلسة، نحن في المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني لم نجد تعبيرا أقوى يعبر عن الآثام والجرائم والاغتصابات التي ارتكبها من جاء في حقهم هذا المشروع، لذلك لا يسعنا إلا أن نندد بهذه الأفعال البشعة التي إرتكبها هؤلاء القتلة ونسجل هنا تضامننا المطلق مع ضحايا الإرهاب وأفعاله الجبانة في كل أنحاء البلاد وستظل هذه الأفعال المخزية وصمة عار وجرما عظيما يلاحق هؤلاء. إن الندم الذي عبروا عنه بقبولهم العودة إلى جادة الصواب وسواء السبيل يقابله هذا المشروع الذي نحن بصدد مناقشته.

 

السيد رئيس الجلسة، الجميع يعرف أن هؤلاء المتمردين المارقين جاءوا لكسر الدولة الوطنية فقتلوا وخربوا وجلبوا بعض الدوائر في الخارج لتأييد ودعم مؤامرتهم الدنيئة، وفي الصميم فإن هذه الفتنة كانت مدبرة ومسيرة من الخارج وقد انفضح أمرها ورفض الشعب برمته أفعالهم ومسعاهم وقد كان مآلهم الانكسار والهزيمة في الميدان، وقد عزف عنهم الشعب برمته وسيسجل التاريخ أن الدولة الوطنية منتصرة ونحن إن نقبل اليوم بلا تردد مسعى السيد رئيس الجمهورية الذي يجسد هذا المشروع فلأننا نمارس فعلنا بوعي ومسؤولية وإنه في نهاية الأمر لابد من مخرج لما تورطوا فيه بإرادتهم وبإملاءات خارجية.

ذلك أن الدولة اليوم قوية، قادرة على التحكم في كل الأوضاع وعلى رأسها هذا الوضع وهذا بفضل الخيرين من أبناء هذا الوطن العزيز الذين تمكنوا - في تصد تاريخي- من حماية الدولة الوطنية وفي مقدمتهم مؤسسة الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني وقوات الأمن بجميع أسلاكها من أجل دحر آفات الإرهـاب وقطع دابرها.

السيد رئيس الجلسة، غير أننا في المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني نؤمن بالحديث الشريف الذي جاء فيه: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" لذلك سنصادق بوعي ونطالب بتطبيق هذا المشروع بصرامة ويقظة وحيطة وحذر لأن لسع الأفعى يدعو إلى التحفظ من الحبل. وتبعا لهذا نحن نفهم أن التطبيق الصحيح والسليم لهذا المشروع لا يبيح ما فعلوا من مجازر ومناكر وتخريب وجرم عظيم ويحظر عليهم هذا في السر والعلن حتى لا تختلط المفاهيم وتعتبر الخيانة بطولة. وتقتل الذاكرة ويصبح الصفح ضعفا لأنه إذا وقع ونزل وانقلبت الأمور سيغبر الوئام ويوأد في مهده.

وفي الختام إن ما نقوم به من أجل الجزائر ينبغي أن يكون في طموح الشعب والتخفيف من الأزمات التي يعيشها لفتح الأمل أمام الشرائح المختلفة للمجتمع وخاصة الشباب ثم الشباب الذي هو عماد الأمة ومستقبلها.

وأخيرا ما أجمل العفو عند المقدرة وذلك لأننا -السيد رئيس الجلسة تعلمنا في مدرسة عريقة من مبادئها لما يتعلـق الأمـر بالمصلحة العليا للوطن نتجاوز كل الخلافات ونقول للتاريخ سجل سجل.

 

وفي الختام عاشت الجزائر في كنف الوئام المنشود والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

(تصفيق)

السيد رئيس الجلسة:  شكرا للسيد مدني برادعي والكلمة للسيد نذير زريبي فليتفضل.

 

السيد نذير زريبي: شكرا. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

 

السيد رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة، السيدة والسادة الوزراء، السيدات والسادة أعضاء مجلس الأمة، السادة الصحافيون.

 

بادئ ذي بدء، تجدر الإشادة بقرار السيد فخامة رئيس الجمهورية في طرحه لمشروع قانون الوئام المدني على البرلمان، وأنوه بمجهوداته الحثيثة لاستعادة كرامة وشموخ الدولة الجزائرية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وإعادة بعث هيبة الدولة الجزائرية وعزتها وكرامتها بين الأمم ومحاولة تنقية الأجواء بين كل الخصوم وإعادة نشر الطمأنينة والأمن والآمان بين كل الجزائريين وفي كل ربوع بلدنا الحبيب.

 

 

السيد رئيس الجلسة، إن الشعب الجزائري الشامخ شموخ جبال الأوراس وجرجرة والونشريس الذي عانى ويلات الإرهاب طالما انتظر ساعة الحسم، وها هي قد دقت، ونهاية الأزمة قد أوشكت وسيعبر هذا الشعب عن إرادته بكل سيادة في أمر هذا القانون الذي سيعرض عليه للاستفتاء، وأنا كمنتخب وأمثل جزءا من هذه الإرادة الشعبية فإنني أعبر عن قناعتي بمحتوى هذا النص القانوني وبكل ما ورد فيه. لا يسعني في هذا الظرف التاريخي من حياة الأمة الجزائرية، إلا أن أعبر عن وقوفي إلى جانب عائلات ضحايا الإرهاب وأترحم على كل روح سقطت من أجل بقاء ديمومة الدولة الجزائرية، هذه الأرواح التي سقطت على يد مجرمين انسلخوا عن دينهم وعاثوا في الأرض فسادا فسفكوا دماء الأبرياء واستحلوا النساء والأموال وقتلوا الأطفال والشيوخ والعجائز، بل حتى الحيوانات لم تسلم من همجيتهم، مستندين في أعمالهم هذه على ادعاءات باطلة يعتقدون أنها من الإسلام والإسلام بريء منها كبراءة الذئب من دم يوسف.

ولولا صمود الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير الوطني ودوره الريادي في مجال مكافحة الإرهاب وخدمة البلاد إلى جانب كل أسلاك أمن الدولة وجهود المخلصين الخيرين في هذا الوطن لتمكن هؤلاء من الوصول إلى مبتغاهم،  وإلى هذه القوات الحية في البلاد أوجه تحية عرفان وتقدير.

سيادة رئيس الجلسة، أيها الإخوة، أيتها الأخوات، إن ما أفقدنا وئامنا المدني وأوصل الجزائري لأن يقتل الجزائري، هي تلك المؤامرة الدنيئة التي حيكت خيوطها بإحكام من أعداء الجزائر في الداخل والخارج الحاقدين على الشعب الجزائري ويريدونه أن يظل راكنا في دائرة التخلف والتعصب والجهل والفقر والحرمان وتشتيت شمل الجزائريين، واليوم وقد ظهر الخيط الأبيض من الخيط الأسود وبزغت أنوار الحقيقة وانكسرت نوايا المغرضين الحاقدين واهتدى الشعب إلى حل اللغز وتفكيك خيوط المؤامرة وانكشف أمر عدوه أمامه، حينها عرف عدوه من صديقه وحينها عرف من معه ومن ضده، ومن يخدمه ويناضل من أجله ومن يستغله، ومن يستبيح دمه، ومن يحقنه.

 

السيد رئيس الجلسة، إن ظاهرة الإرهاب كظاهرة غير سوية في مجتمع مسلم منذ قرون تعتبر ظاهرة غريبة وتناقض كل القيم والمبادئ الإسلامية بل إنها تناقض كل الشرائع السماوية، وإن المحلل لهذه الظاهرة تصيبه الدهشة لما يجد بأن الإرهاب في بلادنا نشأ مستندا على تحريف مبادئ وقيم المجتمع الجزائري فأسيء فهم الجهاد واستعمل في غير محله، وهل يحق لمسلم أن يقتل مسلما؟ يقول تعالى: "ومن قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وبئس المصير" ويقول أيضا: "من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا".

هذا من قتل نفسا فما بالكم بمن حاول إبادة أمة ! ! وأشيعت ثقافة الفتنة واستباحة الدماء بدل ثقافة التسامح والأخوة والمحبة فقتل الأخ أخاه وكفر الابن والده وعومل كل خارج عن الجماعة على أنه خارج ومرتد عن الدين، وطفت على السطح مصطلحات كالاستحلال والاغتصاب إلخ لا تمت بصلة للثقافة الإسلامية السمحاء ورفعت شعارات ظاهرها يغري وباطنها يدمي، وكان ذلك إفرازا لتعددية حزبية فعلت كل المتناقضات التي كانت خامدة فتعرضت ثوابت الأمة للمزايدات السياسوية ووظفت للوصول إلى السلطة من طرف أناس كان شغلهم الشاغل هو تبوء مركز القرار والصدارة في المجتمع على حساب التغرير بشباب هذه الأمة واستغل حماس الشباب ووظف لتهديم أمته عوض أن يوجه لبنائها.

إن ما نتحمله كمجتمع هو أننا لم نول الأهمية اللازمة لشبابنا في تلك الفترة فتركناه يعيش الفراغ والتسيب ولم نربطه بمجتمعه ووطنه ودينه ونجم عن هذا أن استغلت أطراف كثيرة هذا الفراغ القاتل وراحت تدس سمومها فيه فانتشرت بين أوساطه ثقافة التطرف واللاانسجام بين أبناء الوطن الواحد واللغة الواحدة والدين الواحد والتاريخ الواحد والمصير الواحد وعوض أن توجه هذه الطاقة للبناء والتشييد وجهت للتخريب والتدمير، ولقد تمكن المتعطشون للسلطة من التغرير ببعض شباب هذه الأمة فضلوا الطريق وخرجوا عن جادة الصواب وأصبحوا آلة تدميرية وظفت لتحطيم أمتها.

 

ومن هذا المنطلق أدركت الدولة الجزائرية أنه لا مناص لها إلا من فتح صدرها لهؤلاء المغرر بهم، وما مناقشة نص هذا القانون الذي بين أيدينا اليوم إلا دليل قاطع على إرادة دولتنا المعروفة بحنكتها وقوتها على فتح صفحة جديدة تعيد للجزائر أيام عزتها وتلاحم شعبها وتشيع الوئام بين كل أفراده وتحكيم العقل بدل العاطفة لأنه لا يمكن أن ندخل ألفية جديدة ونحن لا نعرف استخدام عقولنا، وعصر العولمة لا مكانة فيه لمن لا يستخدم عقله ولا يجيد ويتفنن في بناء وطنه.

من كل هذا، جاء هذا النص القانوني ليعبر عن الدعوة الجادة إلى الرزانة وتحكيم العقل وعدم الانصياع للنزوات ونبذ الحسابات الضيقة، رأفة الدولة بكل من حاد عن الطريق وعاد إلى دولته معلنا توبته الجادة، رغبة الدولة الملحة في استعادة الوئام المدني بين كل أفراد الشعب الجزائري لأن الوئام الاجتماعي يعتبر أساسا للبناء الاجتماعي.

أخيرا إن هذا الوئام لابد وأن ينطلق من المدرسة والجامعة والمسجد وكل مؤسسات الدولة وعلى كل هؤلاء أن يلعبوا دورهم في تحقيق ذلك وعلى أصحاب القرار في هذا البلد أن يعتبروا من هذه الأزمة التي كادت أن تنسف كيان الأمة.

إن على الجامعة أن تساير كل تحولات المجتمع وما يطفو عليه من ظواهر اجتماعية للوقوف

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد نذير زريبي والكلمة للسيد عثمان بن مسعود فليتفضل مشكورا.

 

السيد عثمان بن مسعود: شكرا سيدي رئيس الجلسة. بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم يبعثون.

 

سيدي رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة، السادة الوزراء، أيها الزملاء الكرام، السادة الحضور، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ها نحن ذا أمام ملف من أهم وأصعب الملفات التي عرفتها البلاد وعاشها الشعب الجزائري منذ استقلاله، ملف شائك وخطير يدعو إلى التعقل والتروي، والتبصر والحلم، والحكمة، وهي خصال لو تحلى بها عاقل لأدت به إلى سلوك يقضي به على جميع الصعاب والعقبات. لقد عاش شعبنا سبع سنوات شداد في ثورة نبيلة لتحرير الوطن وكان المواطن فيها فخورا بجهاده راضيا بالموت والهوان والعذاب لأنه كان يقاتل أجانب يختلفون عنه في المعتقد والاتجاه والمسلك، اغتصبوا أرضه واستباحوا حرماته وعاثوا في الأرض فسادا.

ثم عاش سبعا عجافا أخرى يتفاعل فيها مع مأساة وطنية حادة أفقدته الأمل فوجد نفسه يقاتل أو يقتتل مع بني جلدته ووطنه دينه.

وحتى وإن كان يؤمن بشرعية العمل الذي يقوم به فإن ضميره ظل يؤنبه لأنه يعلم أن هؤلاء قد دفعوا بطريقة أو بأخرى لمثل هذا السلوك ثم جاء عام يغاث فيه  الناس -إن شاء الله- بهذا الملف الكبير.

إن معاناة الشعب الجزائري طيلة هذه الفترة تجعلنا نفكر بعمق لإيجاد صيغة مناسبة تجعل أبناء الوطن الواحد يتألمون لآلام بعضهم ويسرون لسرور بعضهم تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، وهي دعوة أصيلة للمصالحة التي يجب أن ترتكز على قواعد صلبة وركائز متينة وأنا أعتبر شخصيا أن قانون الوئام المدني أحد أركانها إلا أنه لا يمكن أن يسمو إلى هذه الغاية ما لم يدعم بركائز أساسية أخرى تبدو لي في المجالات والأسباب التالية:

 

   1.  العدالة الاجتماعية: لا شك أن الوضع السائد في البلاد وفي شتى المجالات من سلوكات غريبة عن مجتمعنا كان سببا مباشرا في تفجير الوضع ولم يكن الجانب السياسي إلا بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، فمهما كانت جودة النص التي كانت بين أيدينا فإنه لا يمكن أن يحقق الوئام المدني بمفرده بل لابد من الشروع فور المصادقة عليه في مراعاة الشروط التي تضمن الاستمرار في المصالحة الوطنية حتى لا ينقلب الوضع إلى أكثر مما كان عليه، وأول هذه الشروط هو تطبيق العدالة الاجتماعية في مختلف مجالاتها.

 

   2.  التشغيل: إن الفراغ الذي يعيشه معظم الشباب بسبب البطالة خاصة منهم الإطارات والإملاق المحدق بأغلبية الأسر جعل الشباب يعيشون حالات نفسية سيئة  للغاية أدت في الكثير من الأحيان إلى اليأس مما جعل هذه الفئة تبحث عن بدائل لهذا الواقع الذي تعيشه فكان أسلوب الانتقام من المجتمع الذي أوصلهم إلى هذه المأساة هو الحل الأمثل في نظرهم لتغيير هذا الوضع.

لذلك وجب تسخير جميع إمكانيات البلاد ووسائلها من أجل إيجاد مناصب شغل تضمن استقرار الأسر وإلا ارتد الشباب إلى الإرهاب مرة ثانية بعد الوئام والمصالحة وتكون أخطر من سابقتها.

   3.  المنظومة التربوية: إن المبادئ والغايات التي حددت في أمرية 16 أفريل 1976 كانت تسعى إلى تنشئة الإنسان الجزائري المثالي إلا أننا عندما حاولنا تجسيدها في الواقع ركزنا على الجانب التكنولوجي على حساب غيره دون الاستعداد التام لذلك وهو ما جعل البرامج الدراسية بحاجة إلى توازن من حيث تنمية الخيال وتربية الحس الجمالي والوطني إلى جانب العلوم والتكنولوجيا.

هذه الحالة أحدثت عدم التوازن النفسي والعاطفي لدى الشباب المتمدرس مما جعله سهل الانقياد نحو أي اتجاه فكري أو إيديولوجي.

يضاف إلى هذا الاكتظاظ الكبير الذي تعيشه مؤسستنا التربوية والذي ساهم في رفع نسبة التسرب المدرسي وهو ما أحدث فراغا لدى الشباب فسهل انقيادهم.

أما الوضعية المأساوية التي يعيشها طلبتنا وأساتذتنا بالجامعات فحدث عنها ولا حرج.

لذلك فإن الأولوية الأولى والاهتمام الأكبر يجب أن يولى للبرامج الدراسية والهياكل المدرسية وللعلماء الذين يشرفون على تربية الشباب وإلا كان ملف المصالحة مفرغا من محتواه ولا يؤدي الغرض الذي جاء من أجله.

هذه هي السيد رئيس الجلسة، الركائز الأساسية التي أراها روافد حقيقية لقانون الوئام المدني والتي بواسطتها يمكن تحقيق السلم لا محالة، وفي هذا الإطار أيضا نحيي السيد رئيس الجمهورية على الشجاعة التي تحلى بها لإدراج هذا القانون الذي نباركه ونؤيده ونحن على يقين أن نار الحرب ستنطفئ في هذا البلد الطيب ليكون آمنا.

وأختم كلامي هذا بهذين البيتين لأحد فطاحل الشعر العربي الذي يقول:

 وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم

            وما هو عنها بالحديث المرجم

متى تبعثوها تبعثوها ذميمة

            وتضرى إذا أضريتموها فتضرم

وفق الله مسعانا وسدد خطانا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد عثمان بن مسعود والكلمة للسيد محمد بوشكير فليتفضل.

 

السيد محمد بوشكير: شكرا. السيد رئيس الجلسة، سيدي رئيس الحكومة والوفد المرافق له، السيدات والسادة أعضاء مجلس الأمة، السلام عليكم.

إن وطننا العزيز يعيش منعرجا حاسما ومصيريا فعلينا باليقظة والصرامة.

 

أيتها الأخوات الكريمات، أيها الإخوة الكرام، حان الوقت أن نفهم ونتقبل نهائيا أن العالم في تطور متواصل يهدف إلى مستقبل زاهر للشعوب سواء بمشاركتنا أو بدوننا، فعلينا أن نؤمن لوطننا ولشعبنا مكانا في هذا القطار السريع يضمن لنا رفاهية واستقرارا سياسيا واقتصاديا في المستقبل، وعلى هذا الأساس وكما تعلمون هناك قواعد وقوانين يعمل بها دوليا فمن عمل في هذا  الإطار نال مصداقية شعبه ومصداقية دول العالم.

فعلينا اتخاذ النموذج العالمي والتفكير في استعماله حسب المعطيات الميدانية في وطننا العزيز.

فلنتشبع بقيم نستمدها من ديننا الحنيف وحضارتنا العريقة لأن الصفح والعفو عند المقدرة على الأخذ بالثأر وإشعال نار الفتنة سمة حميدة لا يتحلى بها إلا من كان شهما وشجاعا وفي مستوى الحدث الذي يعيشه وطننا العزيز.

إن فخامة رئيس الجمهورية برهن مرارا خلال مشواره السياسي أنه رجل سلم وأظن أن كلا منا واع أن الاستقرار والازدهار والرفاهية لا يتحقق إلا في ظل حل شامل لهذه الأزمة والابتعاد عن لغة الحديد والنار.

سيدي رئيس الجلسة، جاء مشروع القانون المعروض علينا منسجما مع القيمة الإنسانية التي تدعو إلى بعث السلم وحقن الدماء وإرجاع الثقة بين جميع أبناء الوطن.

إن مشروع قانون استعادة الوئام المدني يعتبر صرخة من الشعب الذي مل سنوات الحزن والدم والدموع.

 

سيدي رئيس الجلسة، التوجه نحو المصالحة الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية قائم على الحياة المبنية على الحب والأخوة والوئام.

 

سيدي رئيس الجلسة، في نفس الوقت ومن الواجب أن نسجل التضحيات الجسام التي جعلت الدولة الجزائرية تبقى ثابتة ومنها العناية بضحايا الإرهاب واحترام مشاعرهم.

 

سيدي الرئيس، إن التمسك بفضيلة الرأفة ومبدإ التسامح يجب أن لا ينسيانا أن الإفلات من العقاب أحد أسباب انهيار دولة القانون.

 

سيدي رئيس الجلسة، ما تعاني منه الجزائر لا يمكن مجابهته إلا بموقف تشترك فيه كل القوات الفاعلة في المجتمع الجزائري، عاشت الجزائر والسلام عليكم.

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا السيد محمد بوشكير والكلمة للأخ بلقاسم بن حصير فليتفضل.

 

السيد بلقاسم بن حصير: بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي رئيس الجلسة المحترم، السيد رئيس الحكومة المحترم، زميلاتي زملائي أعضاء مجلس الأمة المحترمين، السادة الحضور الكرام.

 

سيدي رئيس الجلسة، إنها لفرصة غالية وعزيزة علي لأشارك في مناقشة هذا النص القانوني المتعلق باستعادة الوئام المدني، وكما يزيد لي من أهمية هذا الحدث الوطني تزامنه مع افتتاح الدورة الخامسة والثلاثين لمؤتمر القمة الإفريقية التي تحتضنها بلادنا. ومن خلال قراءتي  سيدي رئيس الجلسة- لهذا النص أدركت أهميته من حيث الأهداف السامية التي يرمي إلى تحقيقها ومن ضمنها هدف استرجاع الأمن والاستقرار الشامل والوئام المدني بين جميع أفراد وفئات وشرائح المجتمع الجزائري لأن الوئام المدني الذي سيعيد دون شك  للجزائر عزتها وكرامتها من خلال التحسن النوعي في السياسة الداخلية والتي ستعكس لا محالة الصورة المشرفة لجزائر البطولات والأمجاد، كما تتطلب عملية استعادة الوئام محاورة المجتمع الفعلي لأنه المتضرر المباشر من الأزمة.

 

سيدي رئيس الجلسة،  السيد رئيس الحكومة، إن مصادقتنا على نص مشروع القانون المتعلق باستعادة الوئام المدني تعيد أولى الخطوات نحو ترسيم المسعى الرئاسي الحريص على تحقيق الاستقرار والأمن ثم الانطلاق نحو الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي وبالتالي العودة إلى المكانة الطبيعية لبلادنا -التي لا يراها السيد الرئيس في الصف الأول- وبما أن مشروع الوئام المدني يهدف إلى معالجة نهائية لهذه الفترة السوداء من تاريخ هذا البلاد الشامخ، غير أن  سيدي رئيس الجلسة- المجرمين الذين دبروا ونفذوا الاغتيالات والقتل الجماعي للمواطنين والاختطاف والاغتصاب سيبقون مجرمين  لأن جزائر الدم لا يمكن أن تمر دون عقاب، ومن جـهـة أخـرى  -سيدي رئيس الجلسة- فأنا أعتبر الذين كانوا ينشطون بجانب الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم القتل مجرمين كذلك وضروري معاقبتهم كمجرمين. إنني مع المبادرة الحميدة التي قام بها رئيس الجمهورية وعمل كل ما في وسعه لإطفاء نار الفتنة وأقول إن أبناء هذا الوطن وحدهم يملكون كل المؤهلات والأدوات المحلية لتجاوز المحنة وإخماد نار الفتنة.

 

سيدي رئيس الجلسة، إن كانت الآلام عظيمة والجروح غائرة والنزيف كبيرا فإن تجاوز ذلك يحتم معالجة تجمع حولها جملة من العوامل المتتابعة والمتكاملة، أما إذا كانت الدولة الجزائرية في مكافحة الإرهاب قد اختارت إيجاد التوافق بين استعمال القوة واللجوء إلى القانون فقد اختير إذن الحل الثاني أي اللجوء إلى القانون لكن مع الأسف هؤلاء الخونة الذين خانوا الجزائر بالأمس وأرادوا تخريبه مرة ثانية، هنا أتوقف وأقول: هذا المسعى الذي قام به رئيس الدولة وأعطى فرصة أخرى لهؤلاء المجرمين أقترح أن يضرب بيد من  حديد كل من تخول له نفسه مرة أخرى فعل ذلك في المستقبل لأن الأمة الجزائرية بكاملها عانت ويلات العنف. لذا يجب أن تكون عائلة ضحايا الإرهاب محل تضامن كبير لدى المجتمع واحترام مشاعرهم وصيانة كرامتهم. هذا واسمحوا لي سيادة الرئيس بأن أطرح بعض التساؤلات وهي:

 

جاء في الفقرة الأولى: "من سبق وأن انتموا إلى إحدى المنظمات المذكورة في المادة 87 مكرر 3 من القانون والذين لم يرتكبوا التقتيل الجماعي".

سيدي رئيس الجلسة، فإنه حسب نظريتي إذا بقيت المادة كما هي عليه فلن تطبق على الإرهابي الذي ارتكب القتل الفردي وليس الجماعي.

في نفس المادة سيدي رئيس الجلسة- والتي لم تشر إلى الأشخاص الذين كانوا سببا في التحريض وأوصلونا إلى ما نحن فيه اليوم وأدخلوا الجزائر في بركة من الدماء ولولا يقظة الأسرة الثورية من مجاهدين وأبناء الشهداء وأبناء المجاهدين والوطنيين الغيورين على وطنهم، رأيي سيدي رئيس الجلسة أنه من الضروري أن يوضح ما جزاء "الحركة" "وأبناء الحركة" الذين ينتمون إلى الجماعات المسلحة وشاركوا في النهب والاغتصاب وحرق المؤسسات.

 

سيدي رئيس الجلسة، نحن الآن في جزائر الاطمئنان والوحدة لكن ما مصير المقاومين الذين رفعوا السلاح ضد المجرمين والخونة؟

إن القانون يتكلم عن نوعية الإرهاب ويبقى محصورا في القتلى فقط، لكن القاعدة الخلفية التي تشجعهم وتساعدهم، ألا يعتبرون قتلى سيدي رئيس الجلسة- ؟ وكذلك المحرضون ألا يعتبرون قتلى؟

 

لذا نحن نناقش قانون الوئام المدني وأنا أساند مسعى الرئيس غير أنني أقترح أن لا تطوى الصفحة ولا تقطع.

 

سيدي رئيس الجلسة، لقد انتصرنا على الإرهاب بفضل الوطنيين المخلصين والجيش الوطني الشعبي والأمن بصفة عامة كما أننا انتصرنا على الإرهاب بفضل ضحايا الإرهاب.

 

إن المشروع السياسي الإرهابي فشل في تحطيم الدولة الجزائرية ولا نـنسى  سيدي رئيس الجلسة- الذين نبشوا قبور الشهداء كما لا ننسى ما كانوا يطالبون به للشعب الجزائري من تجويع وتدخل في شؤون بلادنا وشكرا سيدي رئيس الجلسة.

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد بلقاسم بن حصير والكلمة للأستاذ محمد القورصو فليتفضل.

 

السيد محمد القورصو: شكرا. السيد رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة، السيدة الوزيرة ، السادة الوزراء، زميلاتي زملائي السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

سيدي رئيس الجلسة، لدي ملاحظة أولية وهي أننا نتأسف لعدم إشعارنا بتحديد وقت المداخلات لا سيما وأن مشروع القانون أساسي ومهم جدا لكن كما يقال للضرورة أحكام والسلم لا ينتظر ونحن هنا من أجل ذلك. وبعد،

بادئ ذي بدء أترحم على كل الذين قدموا أرواحهم فداء للدولة فالتحقوا بذلك بركب آبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم الذين قدموا أرواحهم فداء للجزائر وبكلمة واحدة رحم الله أرواح شهداء الأمس واليوم، وأملنا أن لا يذهب شهداء اليوم سدى وأن تسهم أرواحهم الطاهرة في إعادة الأمن والطمأنينة بشكل نهائي لهذا البلد الجزائر- وأن تخرج مؤسسات الدولة من هذه المحنة قوية معززة على الأقل لنصف قرن ولم لا لقرن أو أكثر من ذلك.

 

سيدي رئيس الجلسة، بعيدا عن كل مزايدات، ومحاباة أعتقد وبكل صدق أننا نطوي الآن أسوء وأسود صفحة من تاريخ هذا البلد المجاهد الذي قتل خيرة أبنائه. وقت الحسم حان ونحمد الله على ذلك.

 

سيدي رئيس الجلسة، سيدي رئيس الحكومة، لا يسعني في هذه اللحظات التاريخية الحرجة، إلا أن نشيد بموقف فخامة رئيس الجمهورية الشجاع والجريء في آن واحد لأن الإجراء السياسي هذا لا يخلو من المراهنات، ويحضرني اللحظة وأنا أتحدث عن الرهانات ساعة الحسم الأولى ليلة أول نوفمبر والتي لم تخل هي الأخرى في الأشهر الأولى من الرهانات والتي كانت خاتمتها استرجاع السيادة الوطنية.

لتكن هذه الساعة الثانية، ساعة الحسم، ساعة استرجاع السلم والأمن والطمأنينة. تكتسي الجرأة في الظروف الراهنة كل معانيها لا سيما عندما تكون مقرونة بالحنكة السياسية وحسن البصيرة فحتى وإن لم نكن في مسجد ندعو الله العلي القدير أن يجعل من هذه اللحظات لحظات مباركة ينتصر فيها السلم وتضمد على إثرها الجراح وتكون عبرة للأجيال القادمة حتى لا تقع البلاد مجددا فيما وقعت فيه قبل سبع سنوات.

 

تفاديا لما هو معروف وما كتب حول الموضوع أود فقط إثارة بعض الملاحظات على هامش ما سمحت به قراءة سريعة لمشروع القانون المتعلق باستعادة الأمن المدني.

 

أولا: من حيث خاصية مشروع الوئام المدني ومقارنته بقانون الرحمة، فضل مشروع القانون المعروض علينا أنه مضبوط ومحدد في الزمان (6 أشهر). تضفي هذه الخاصية على هذا المشروع شرعية بالغة الأهمية ورغبة فعلية في معالجة الوضع الأمني في مدة محددة لتتفرغ بعد ذلك مؤسسات الدولة وهذا هو الأساس للتصدي لمختلف أوجه الأزمة التي حلت بالبلاد.

الرزنامة مضبوطة يبقى فقط تطبيق ذلك ميدانيا والتقيد بما نباركه مسبقا.

 

ثانيا: تشخيص العقوبات: إن تشخيص العقوبات يشجع على تحقيق ما يصبو إليه المشرع، ومن ثم شرائح عريضة من المجتمع الجزائري الذي يئن تحت وطأة الظلم والغبن والآلام والدموع والبطالة والتشريد، غير أن مشروع هذا القانون يثير عددا من التساؤلات نوجزها فيما يلي:

 

I-   من حيث تسمية مشروع القانون بقانون الوئام، إن ما حدث في الجزائر طيلة السنوات السبع الماضية لم يكن صراعا طائفيا كما حدث في السنوات الفارطة في بيروت ولم يكن أيضا عبارة عن صراع ديني كما هو الشأن الآن في إيرلندا، من هنا ومن الإنصاف بمكان يجب التذكير بأن شرائح عريضة من المجتمع الجزائري وقفت، لمجموعة من الأسباب لا داعي لتفصيلها هنا، إلى جانب من أشهروا السلاح في وجه الدولة ومؤسساتها ولكن وبعد أن كشفت نفس هذه الشرائح أن الصراع كان أعمق من ذلك وأنه اتخذ أوجها وأشكالا بشعة سحبت تدريجيا تأييدها لقوى الإرهاب ودخل المجتمع الجزائري إلى جانب الجيش الوطني الشعبي في مرحلة الدفاع عن الذات اقترنت بالدفاع عن الدولة والمؤسسات، ما حدث في بلادنا جريمة ضد الإنسانية، وجريمة الدم كما جاء في عرض الأسباب (الصفحة الرابعة) لا يمكن أن تمر بدون عقاب، من ثم كانت الجريمة في بدايتها عنفا لغويا قبل أن تتحول إلى عنف جسدي ومادي والسؤال هو ما مكانة أولئك الذين سلحوا بخطبهم أيادي أبنائنا من هذا المشروع؟

II-  واجب الذاكرة يقتضي منا عدم تمزيق هذه الصفحة السوداء من تاريخ بلادنا وحتى لا يغتال شهداء اليوم ثانية. وحتى نعالج الجراح العميقة التي أصابت كبارنا وصغارنا، أقترح تدريس ما حدث في الجزائر في جزائر الأمس لأننا اليوم في سلم  إن شاء الله- خلال العشرية الماضية وذلك حتى يعلم الجيل الصاعد ما حدث في بلاده وحتى نقيه أيضا  شر ما حدث في هذه البلاد الدامية، وإذا ما فعلنا ذلك نكون قد أسهمنا في علاج سيكولوجي واسع النطاق يشمل الطفل والأسرة والمجتمع والدولة على حد سواء ويعود بالخير علينا جميعا.

 

هـنـاك أيضـا إشكـال اصـطـلاحـي (un problème de concept) كل فترة تاريخية مشخصة من خلال مفاهيم دقيقة تعكس المنطلقات والأهداف وآثار الفعل التاريخي مهما كان هذا الفعل التاريخي، وبقدر ما كان الاصطلاح المفهومي دقيق بقدر

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للأستاذ محمد القورصو والكلمة للأخ عبد المالك تجاني.

 

السيد عبد المالك تجاني: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.

السيد رئيس الجلسة، السيد رئيس الحكومة المحترم السادة الوزراء الأفاضل، زميلاتي زملائي أعضاء مجلس الأمة المحترمين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد، فإنه تكملة لما تفضل به الإخوة  الأعضاء من المداخلات والـمناقشات الثرية البناءة المجدية حول هذا المشروع الضخم الكبير، ألا وهو مشروع الوئام المدني والذي يضم في طياته الإيذان بانفتاح عهد جديد ما فتئ هذا المجتمع البريء يتطلع إليه من حين إلى آخر عساه يخرج من وحل التأزم والإحباط إلى فرجة الأمل وصحوة الضمير. وعليه فإنه لا يعزب عن أمثالكم أن بلادنا قد عانت من ويلات عشرية سوداء مظلمة ملؤها التقتيل والتخريب والنهب والسطو، نتيجة مؤامرة دنيئة حيكت ضد هذا الشعب البريء راح ضحيتها الخيرة البررة من جهابذة هذا الوطن العزيز فالجرح غائر والدم ينزف وعجز الأساة عن إيقاف هذا النزيف.

 

إذن لابد من حل مرض بطريقة أو بأخرى لإيقاف هذا النزيف، هذا الحل يقف عنده الجاني ويسعه العاني بفضل كرم خلقه وتسامحه وصفحه الجميل، والمواقف المتأزمة فهي تحتاج دوما إلى قلب مليء بإيمان صاحبه، مليء بصدق وطنيته فيظهر موقفه الإيجابي كلما دعت الضرورة الملحة إلى ذلك.

مع أن العدل في الحقيقة، يقتضي القصاص أكثر مما يقتضي الحلم لكن ما دمنا نواجه أزمة كادت تعصف بالبلاد والعباد توجب علينا أن نذهب إلى أدنى مستوى يترتب عليه حل سلمي (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها).

ومن هنا جاء مشروع الوئام المدني كمشروع جامع مانع بل هو أيسر السبل لعودة الأمل، عودة الأمن والاستقرار اللذين ينشدهما كل مواطن مخلص غيور، فالوئام المدني هو عبارة عن إطفاء لنار الفتنة الذي تأجج لهيبها (والفتنة أشد من القتل)، وهو عبارة عن إخماد براكين الخلاف التي كادت أن تمزق أوصال هذا المجتمع والوئام بمختلف أساليبه حثت عليه الأديان السماوية وسعت إلى تطبيقه المجتمعات المتحضرة سلفا وخلفا فقد قال تعالى (والصلح خير) أي خير في كل شؤون الحياة، وقال (وأصلحوا ذات بينكم) وقال (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) والعفو عند المقدرة في حقيقة الأمر هو من شيم الأحرار وكرم النفوس، والأمر الذي  يجب أن لا يغيب عن أذهاننا هو أن مشروع الوئام الذي شمل تسامحه أولئك المورطين، إما بالإعفاء من المتابعة أو بإرجاء المتابعة أو بتخفيف العقوبة، هنا يجب أن لا تغفل عائلات ضحايا الإرهاب بأن تكون محل اهتمام وتضامن كبير لدى المجتمع بتقدير آلامهم وآمالهم واحترام مشاعرهم بصيانة كرامتهم حتى لا تبقى عرضة يتقاذفها مسيرو مختلف الجمعيات المدافعة عن قضاياهم أو تبقى ضحية حسابات سياسوية تارة، وحسابات منفعية تارة أخرى، أو تكون منبرا للمزايدات غير المجدية. لذا فأملنا كبير في نجاح هذا المشروع الذي حث على إرسائه فخامة رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة، هذا وإننا نثمن كل الإجراءات المتخذة بشأن المصالحة الوطنية.

 

 "وما استعصى على قوم منال

            إذا الإقدام كان لهم ركابا"

لأن هذه المصالحة نتاجها السلم الاجتماعي الذي هو أساس الأمان وأساس النهوض بالبلاد من أجل تحقيق الرقي والازدهار في شتى مجالات الحياة. وعليه فإننا ندعو كل شرائح المجتمع المدني لمد يد العون والمساعدة لدعم مسار الوئام المدني الذي لا مناص من السير على دربه وقد قالوا قديما:

 "إذا لم تكن إلا الأسنة مركبا

             فلا يسع المضطر إلا ركوبها"

هذا ومادامت الغاية تبرر الوسيلة والغاية هي لم الشعب وجمع الشتات وإحباط المناورين الذين يريدون زرع بذور الفرقة داخل صفوف هذا المجتمع الذي شهدت له المحافل الدولية باليد الطولى في  تحقيق أهدافه ومساعيه.

وختاما نسأل الله العلي القدير أن يحفظ بلادنا وعبادنا من غوائل الأيام ونكساتها، إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه، المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، عاشت الجزائر حرة مستقلة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

السيد رئيس الجلسة:  شكرا للسيد عبد المالك تجاني والكلمة للأستاذ عبد الله ركيبي فليتفضل.

 

السيد عبد الله ركيبي: بسم الله الرحمن الرحيم، الأخ رئيس الجلسة، الأخ رئيس الحكومة المحترم، الإخوة أعضاء الحكومة والضيوف الكرام، زميلاتي، زملائي الأعزاء.

عندما قرأت هذا المشروع، فكرت -في الحقيقة- أن أقرأه بعين المواطن لا بعين عضو مجلس الأمة ولذلك أثار في نفسي قضايا أربع:

 

القضية الأولى تتصل بالتاريخ أو بالحاضر وفكرت فيما قاله المؤرخ العظيم ابن خلدون عندما قال "إن الحضارات تبنى على العمران البشري"،ويعني ذلك أن الاستقرار هو أساس الحضارة والتقدم.

ولو أردنا أن نضرب أمثلة كثيرة لرأينا أن حضارة قدماء المصريين وبلاد الرافدين واليونان والحضارة العربية الإسلامية والغربية الحاضرة اليوم قامت كلها على الأمن والاستقرار وأعتقد أن هذا المشروع  مشروع قانون الوئام المدني- جاء ليحقق هذا الاستقرار وذلك عندما أنظر في القضية الثانية - بعد هذه القضية الأولى- أجد أن شعبنا في مراحل مضت -وقد عشتم هذه المراحل يوم أن كان مستقرا وآمنا- حقق إنجازات كبيرة وعظيمة ومازالت شامخة حتى اليوم.

ولكن عندما أصيب شعبنا بهذه الأزمة أو المحنة أو الكارثة لم يستطع أن ينجز ما كان مفترضا أن ينجزه في المرحلة الحالية.

أثارت في نفسي كذلك  عند قراءتي للمشروع قضية المقارنة بين الأمس واليوم فيما يتصل بالخطاب فمنذ بداية التسعينات تقريبا وخطابنا تسيطر عليه الانفعالات الطاغية، والعواطف المتفجرة، حتى إنني أحيانا عندما أقرأ ما يكتب أو ما ينشر أقول لماذا لا نفكر أيضا بالعقل فنحلل الأحداث والواقع ونقارن بين الماضي والحاضر حتى نصل إلى الأمل الذي يحبه ويريده ويعمل من أجله شعبنا وقواته الحية.

ألا يصح القول بأن هذا المشروع أعطانا -في الحقيقة - هذه الفرصة لكي نتأمل أنفسنا جيدا، يجلس كل منا  في بيته أو في عمله فيفكر تفكيرا واقعيا عقلانيا كما نكرر دائما وأبدا ولكن لسوء الحظ أنه في الكثير من الأحيان تنقصنا هذه العقلانية فندفع بأنفسنا ومشاعرنا إلى أن تطغى علينا.

 

هناك قضية أخرى وأظن أنكم جميعا بلا استثناء قد جربتم ما جربت نفسي عندما تخرجون خارج حدود وطننا وترون نظرات الناس إلينا، كيف يحكمون علينا ويفكرون في أعماقهم تجاهنا وكيف يعاملوننا تلك المعاملة التي أحيانا نحس فيها بالازدراء وأحيانا بالاحتقار وربما أحيانا بالسخرية فمن خرج خارج الوطن أحس بهذا جيدا، ولكننا نحس اليوم ومنذ أسابيع فقط بتغير هذه النظرة إلى الشعب الجزائري، لماذا؟ هل لأننا أحدثنا شيئا خارقا للعادة؟ لا أبدا نحن رجعنا فقط  إلى أنفسنا أولا وأخيرا، ورجعنا إلى تاريخنا وتجربتنا وواقعنا وإلى شخصيتنا التي عرفت في التاريخ بأنها شخصية لا تحب العنف ولا التطرف ولكنها تعمل للبناء والتشييد وأشعر اليوم وأنا أتابع ما يقال عنا في القنوات والإذاعات والصحف بأن نظرة العالم تغيرت تماما منذ أسابيع فقط. ألا يكفينا أن نقول إن هذا المشروع - في الحقيقة- حقق هذه الأهداف كلها.

شكرا لك الأخ رئيس الجلسة والسلام عليكم.

 

السيد رئيس الجلسة: أشكر الدكتور عبد الله ركيبي وأحيل الـكلـمة إلى السيد مقران آيت العربي، تفضل.

 

السيد مقران آيت العربي: شكرا. السيد الرئيس، السيد رئيس الحكومة، أيتها السيدات، أيها السادة:

من خلال ثلاثة أشهر فقط تغيرت المصطلحات، ما كان يسمى بالقتلة المرتزقة الخونة، أصبح اليوم مصطلحا جديدا يتمثل في الوئام والسلم وحتى الحلم. من هو الذي لا يحب السلم؟ من لا يحب الحلم؟ من لا يحب الأمن؟ من لا يحب الاستقرار؟ فالسيد رئيس الجمهورية يقول إن الغرض هنا هو أن ينتقل الجزائري من تبسة إلى مغنية، من الجزائر إلى تندوف وهو آمن فإذا حققنا انتقال شخص من باب الوادي إلى باش جراح فقط  في أمن فهذا يكفينا، بعد ذلك ستكون هناك مرحلة جديدة. السلم ليس من أجل السلم. السلم على حساب من وفي أي إطار يكون؟ لأن جوهر السؤال ليس التفاصيل وإنما هو السلم نعم ولكن في أي إطار وعلى حساب من؟ لقد طرحت خلال الحملة الانتخابية سؤالا على المترشحين في بيان صحفي واليوم أطرح نفس السؤال على السيد رئيس الحكومة وسيكون واضحا جدا هل السلم المقصود والمنشود هو سلم دائم في إطار جمهورية ديمقراطية تعددية وعصرية وفي إطار دولة القانون؟ إذا كان هذا هو الهدف ماهي الضمانات؟ لأنه إذا نسي البعض ما قاله كبير شيوخ الجبهة الإسلامية للإنقاذ في وقت قريب أي في سنة 1991 في ساحة أول ماي وأنا أتذكره إذ قال"لقد جاؤوا يخيفوننا بالجيش وإذا أطلقت مناضلينا فسيأكلون دبابات الجيش". يا ترى هل نزعنا لهؤلاء الأشخاص أسنانهم منذ 1991 إلى اليوم حتى لا يأتون غدا ليقولوا سنأكل دبابات الجيش؟ !هل نسينا الألواح الأربعة عشر التي علقت بعد الدور الأول لانتخابات سنة 1991 التي طالبتنا بتغيير كل تقاليدنا وعاداتنا ومأكلنا ومشربنا؟ إذا كان هذا هو الهدف ما هي الضمانات؟  الضمانات لنطمئن. أما إذا كان السلم مجرد سلم مرحلي ومجرد ضماد على الجراح، ومجرد ما يسمى بسلم الأبرار ونعيد بعد ذلك الاعتبار للجبهة الإسلامية للإنقاذ تحت تسمية أخرى أو غطاء آخر، فهذا غير معقول، إذا كان السلم هو أن نتقاسم السلطة مع الناس الذين أوصلونا إلى مئة ألف قتيل ومـليون ضـحيـة -والعدد رسمي، ذكـره السيد رئيس الجمهورية- وأكثر من ذلك فقد فقد الجزائري الثقة في الجزائري والجار في جاره وصار يراه إرهابيا. فإذا تقاسمنا السلطة مع الأشخاص الذين أوصلونا إلى هذه المرحلة، لابد أن نتوقع عدم قبول هؤلاء بجزء من السلطة ولا حتى بنصفها بل سيأخذون السلطة كلها ولا ننسى أنهم أعلنوا العصيان المدني سنة 1991 واحتلوا ساحات وشوارع العاصمة، وارتدى مناضلوهم لباسا شبه عسكري وكانوا يظهرون عضلاتهم في شوارع العاصمة. يجب أن لا ننسى ذلك، وأكرر أن السلم من أجل السلم لا يفيد أي أحد وسيعدينا إلى مأساة أخرى وربما مائة ألف قتيل تصبح خمسمائة ألف ومليون ضحية يصبح خمسة ملايين ضحية.

بعد هذا لابد أن نتساءل عن عوامل الأزمة؟ عن أسبابها ومن تسبب فيها؟ زيادة على الأشخاص الذين استعملوا الدين لأغراض سياسية من أجل الوصول إلى السلطة وكسلم للصعود إلى المرادية وقصر الحكومة. والذين أوصلونا إلى هذه الأزمة، ويجب أن لا ننسى أن السلطة لها جانب من المسؤولية لأنها منذ الاستقلال حتى اندلاع الأزمة لم تبن دولة بمؤسسات قوية بل بنت نظاما حول رجال وحول مجموعة مصالح، والدليل على ذلك أنه بمجرد ما عصفت رياح الأزمة في 1991 سقطت كل مؤسسات الدولة من رئيس الجمهورية ومجلس وطني ومجلس دستوري ولم يبق من مؤسسات الدولة إلا المؤسسة العسكرية لحسن الحظ وهذه الأخيرة نظراً لطبيعتها وانضباطها وانسجامها بقيت واقفة وصامدة ولولاها لزالت الدولة الحديثة والدولة العصرية ودخلنا في "لا دولة" ولا ندخل في دولة إسلامية كما قال البعض بل بالعكس ندخل في عهد عشائري يعلن فيه كل شيخ استقلال منطقة معينة من الجزائر ويتربع على العرش ويصبح أميرا أو شيخا أو شيئا من مثل هذه المصطلحات التي سمعناها منذ البداية.

إذا كانت المسؤولية تعود للأصوليين والسلطة  فيجب أن لا ننسى أبدا  مسؤولية الديمـقراطـيين -وأنا من الحركة الديمقراطية- لماذا؟ لأنه بعد أحداث أكتوبر لم نتوصل كديمقراطيين لتأسيس حزب قوي نوحد فيه صفوفنا وننسى مشاكلنا من أجل الانتقال من الأحادية إلى تعددية حقيقية من الاستبداد إلى الحرية والديمقراطية ومن التحكم إلى دولة القانون فكل هذه العوامل اجتمعت وأدت بنا إلى الأزمة.

 

السيد رئيس الحكومة، قبل أن نقول للإرهابيين ماهي الإجراءات التخفيفية التي ننوي عرضها على البرلمان وعلى الشعب ماذا نقول لزوجة الشرطي الذي خرج لعمله وقتل برصاصة الإرهاب؟ وماذا نقول لأم الدركي؟ وماذا نقول لخطيبة الجندي؟ وماذا نقول لأولاد الصحفي والمثقف الذي اغتيل من أجل الكلمة؟ قلتم السيد رئيس الحكومة أنه حيث تنفع الكلمة لا داعي للعصا وحيث تنفع العصا لا داعي للسيف فهل تنفع الكلمة مع الرصاص؟ هل تنفع الكلمة مع الإرهاب؟ هناك من استعمل الكلمة ضد الرصاص وهم الصحافيون والمثقفون، خرجوا صباحاً بالقلم والورقة فقتلوا بالرصاص. فالرصاص لا ينفع معه إلا الرصاص والأشخاص الذين استعملوا الكلمة قتلوا ولا ينفع مع الرصاص سوى القوات الخاصة وهذا لا يعني أننا نتوقف عند هذا الحد لأن القضية ليست قضية عواطف وبقدر ما أحاول تجاوز عواطفي بقدر ما أتعاطف مع ضحايا الإرهاب وأساندهم وبقدر ما أحاول أن أتجاوز الماضي بقدر ما أقول إن المستقبل مبني على الماضي.

أكرر في الأخير للسيد رئيس الحكومة أن ما نريده هو الضمانات، كل الضمانات على أن تبقى الدولة الجزائرية عصرية تسير وفق القوانين والمؤسسات ولا نعود أبدا إلى وضعية سنة 1991 ولا نعود أبدا إلى

 

السيد رئيس الجلسة: شكرا للسيد مقران آيت العربي والكلمة للسيد محي الدين عميمور.

 

السيد محي الدين عميمور: بسم الله، أحمد الله حمدا كثيرا، وأشكره شكرا جزيلا بأن قيض لنا هذا القانون الهام لكي نخرج من حالة الشلل المؤسف التي فرضت علينا في الشهور الماضية، وقد أتناولها في الأيام القادمة.

 

صورة الأحداث تذكرني بحريق التهم غابة وأخذ يلتهم أشجارها شجرة شجرة، وتجمع كثيرون للمساهمة في إطفاء الحريق، البعض تطوعا عن إدراك لخطورة ما يحدث والبعض في إطار حل لمشكلة البطالة، وتقرر اللجوء إلى استعمال الطائرات لإطفاء النيران، وما إن بدأت هذه تمارس عملها حتى انقسم الناس قسمين، الأغلبية تنفست الصعداء مع تصاعد الأمل في إخماد النار، لكن آخرين ثار غضبهم وهاجموا استعمال الطائرات مركزين على الأخطار التي يمكن أن تترتب عن ذلك ومن بينها تلوث الجو والضجيج بل وحاولوا التشكيك في النتائج والتهويل من حجم النفقات وبدا كأن هناك من يخشى أن تكتشف أخطاؤه التي ارتكبها وهو يكافح النار فزادت من لهيبها.

هذه الصورة قد تبدو كاريكاتورية لكنها تشبه ما نعيشه منذ أدرك البعض جدية رئيس الجمهورية في سعيه نحو إحلال السلام واستعادة الاستقرار واسترجاع وتيرة التنمية الوطنية وتدارك الوقت الطويل الذي ضاع لتعود للجزائر بسمتها ولجواز السفر الأخضر تألقه واحترامه.

الرجل كان جزءا من مدرسة الثورة ومن جامعة المسيرة الوطنية، لم يضع نصب عينيه إلا أمرا واحدا وهو أن الشعب عانى أكثر مما ينبغي ويجب أن لا يخرج من الأزمة الدموية فحسب بل يجب أن يخرج منها أشد قوة وأكثر اقتدارا وأوسع خبرة وفي إطار انطلاقة تضامنية واسعة لم يسبق لها مثيل، تعيد للأمة وحدة الوجدان الوطني وللوطن تماسك التضامن الشعبي وللدولة قوة القرار السياسي ومصداقية العمل الميداني.

 

ولقد فاجأ الرئيس الجميع بانطلاقة صاعقة بعد دراسة واعية ومتبصرة لعناصر المأساة وكان محور التحرك كما رأيته هو الاتجاه نحو الغد لا البقاء في أسر الأمس وكان أسلوب التحرك هو الفعل المباشر، لا إضاعة للوقت في النظريات والاحتمالات والتخوفات. وانطلقت المرحلة الجديدة بسرعة الضوء بينما كان البعض من عناصر الطبقة السياسية يتحركون بسرعة الظل.

لكن شعبنا أثبت مرة أخرى أنه أكثر وعيا وأحد بصرا وأعمق بصيرة من كثيرين يتصورون أنهم رواده وطلائعه ونخبته المستنيرة. ومن هنا جاء الشعور بأن البعض يخشى على نفسه من نجاح سياسة الوئام لأنها تهدد وجوده ومكانته ونشاطه والذي كان مبنيا على شعارات مكافحة الإرهاب من جهة أو المصالحة الوطنية من جهة أخرى لكن التعميم خطأ، والأمر قد ينطبق فعلا على البعض، وشعبنا يعرفهم واحداً واحداً، وواحدة، واحدة، لكنه لا ينطبق بالضرورة على الباقين الذين كانت مشكلتهم في أن تحرك الرئيس كان أسرع من مقدرتهم على الاستيعاب.

وأنا أقول ولا أقصد إساءة لأحد، إننا لا نريد الخروج من منطق أنا أشد إسلاما منك، أو أنا أقوى عروبة منك أو أنا أعمق أمازيغية منك لندخل في منطق أنا أكثر منك حرصاً على مكافحة الإرهاب، وأكثر منك إشفاقا على ضحايّاه، وأكثر منك وطنية، وخوفا على مستقبل الوطن وعلى سلامة أبنائه. قانون الوئام الوطني هو مجرد جزء من كل، ودوره يقتصر على تحقيق التهدئة الأمنية وصولاً إلى التهدئة السياسية وسيرا على طريق الانطلاقة الاقتصادية الاجتماعية.

الهدف في نهاية الأمر هو مصالحة وطنية شاملة تمحو الصورة الكاريكاتورية التي زرعها بعض إخواننا وأخواتنا في العالم الغربي على وجه التحديد، صورة أصوليين مجرمين كما قالوا وقلن يواجهون سلطة جائرة كما قالوا وقلن "النون نون  النسوة".

 

الهدف الإستراتيجي هو الخروج نهائيا من وضعية الفتنة التي ساهمت فيها أطراف خارجية وداخلية وهو يتطلب  شجاعة سياسية لا تتوفر إلا للرجال، وارتفاعا فوق المأساة لا يقدر عليها إلا الوطنيون، وهو ما يجب أن يسجل في لوحة الشرف لكل الذين عملوا منذ سنوات للوصول إلى هذه النتيجة، ولا يهمني أن أعرف كيف حققوها ولا تفاصيل الاتفاق الذي وصلوا إليه فالنتيجة الأكثر أهمية هي أننا وصلنا للمصالحة ولا يهمني إذا كان النص الذي قرأه علينا الأخ حمداني قدمه لنا وهو على وضوء، أو على غير وضوء المهم أن النص أمامنا.

المصالحة هي موقف وطني شامل، يمكن من رأب الصدع الذي فرق بين أجيال الوطن الواحد، شيوخا وكهولا وشبابا نتيجة لمنطق رفض الرأي الآخر في مرحلة معينة

 

السيد رئيس الجلسة: أنبه إلى أن التحكم في الوقت المحدد وهو ثماني(8) دقائق يتم بواسطة أجهزة آلية وأنا موضوع قيد التصرف. أشكر الأستاذ الشيخ محي الدين عميمور ونرفع بهذا القدر من المتدخلين الجلسة على أن نستأنف المناقشة هذا المساء على الساعة الثانية بعد الزوال إن شاء الله والجلسة مرفوعة.

 

رفعت الجلسة في الساعة الثانية عشرة والدقيقة الخامسة والأربعين زوالا.