الموافق لـ 02 فبراير 1999 م
أرحب
في البداية بضيوفنا الكرام، السيد رئيس
المجلس الشعبي الوطني والوفد المرافق له،
والسيد رئيس الحكومة وأقول له نحن سعداء
لرؤيتكم بعد 48 ساعة من الغياب، وأرحب بالضيوف
الكرام، مسؤولي مؤسسات الدولة.
هذه
الجلسة المخصصة لاختتام الدورة، ربما نبدأها
بطريقة غير تقليدية، فقد تحدثت قبل قليل مع
صـديقي سي عـبـد القادر بن صالح، وقلت له
سأمزج في كلامي، إذا سمحت، بين
الأمازيغية الدارجة والعربية الدارجة، لأنني
لا أعرف الأمازيغية الفصحى ولا العربية
الفصحى. وإننا اليوم مسرورون، بدون مبالغة،
لأن نلتقي في خدمة البلاد.
لقد
جرت العادة أن تكون مثل هذه الجلسات فرصة
لتقييم الأعمال واستشراف الآفاق المستقبلية.
ويبدو لي أنني لن أطيل كثيرا بخصوص التقييم إذ
أكتفي بالقول حول هذه الدورة بأن تجربتنا
البرلمانية هذه جديدة، وبطبيعة الحال إذا
أخذنا بعين الاعتبار عدد القوانين التي صادق
عليها المجلس في السنة وهو 17 قانونا، فإننا
نجد هذا قليلا. غير أن كل واحد منا يعرف أسباب
ذلك والعراقيل التي أخذنا نتغلب عليها شيئا
فشيئا. وأقول إن إيماني عميق بوصولنا الآن إلى
مرحلة نسّير فيها أعمالنا بطريقة عادية ويكون
مردودنا في المستقبل القريب معقولا ومقبولا.
إذن
عوض الحديث عن هذا التقييم والقوانين التي
صادقنا عليها اسمحوا لي أن أغتنم هذه الفرصة
لأعلق بطريقة سريعة عن بعض التساؤلات التي
سمعناها وقرأناها هنا وهناك تتعلق بالتجربة
البرلمانية الجديدة في تاريخ بلادنا، وذلك
بغية توضيح شعورنا بالمسؤولية في هذه الغرفة.
ففي
البداية أود أن أفند بشكل قاطع ونهائي فكرة
ترددت كثيرا وجرحتنا كثيرا أيضا مفادها وجود
منافسة وعداوة بين الغرفتين، فهذا شيء غير
صحيح تماما، لأننا عندما نقول غرفتين فمعنى
ذلك أنهما ضمن بيت واحد وعمارة واحدة، غير أن
لكل غرفة خصوصياتها التي أردنا أن نتعلمها
تدريجيا.
وأؤكد
مرة أخرى بأنه لا توجد منافسة أو عداوة بين
الأشخاص أو الغرفتين ، بل هناك تكامل بينهما
ونحن نود أن يكون هذا التكامل بأتم معنى
الكلمة.
لقد
وضع الدستور خصوصيات كل غرفة، وبعد مرور سنة
على هذه التجربة صار إيماني عميقا بضرورة
وجود الغرفتين. وأود هنا أن أذكِّر بما قاله
لي السيد رئيس جمهورية تركيا خلال زيارته
لبلادنا، حيث ذكر أنه كان من ضمن الذين حاربوا
الغرفة الثانية في بلاده وعملوا على حلها،
وهو اليوم يناضل من أجل بعثها من جديد بعد أن
أدرك فائدة وجود الغرفتين في تمكين
الديمقراطية من أداء دورها الحقيقي.
نحن
نعتقد أن أولئك الذين سنوا الدستور، قد فكروا
جيدا في تحقيق توازن أكبر بين سلطتين
تشريعيتين وأعني بهما الحكومة أولا التي
أعتبرها سلطة تشريعية لأنها تضع مشاريع
القوانين والمجلس الشعبي الوطني ثانيا وهو
سلطة تشريعية تنقح النصوص القانونية وتعدلها
وتوافق عليها، فما هو دورنا نحن؟ من واجبنا أن
نوضح حتى لا يكون هناك أي تغليط، أنه إذا كانت
المهمة الدستورية لغرفة المجلس الشعبي
الوطني تتمثل في مراقبة الحكومة والميزانية،
فإن دورنا نحن ليس المراقبة وإنما هو العمل
على إيجاد التوازن بين القوات المؤسسة للسلطة
النظامية وذلك من خلال قراءة ثانية ومراجعة
أمينة للقوانين التي درستها وصادقت عليها
الغرفة الأولى تماما كما يحدث على مستوى
الأشخاص حيث يسلم الأكاديميون
منتوجهم الفكري والعلمي ومؤلفاتهم قبل نشرها
إلى أشخاص آخرين لإعادة قراءتها ومراجعتها
وفق نظرة أخرى ومغايرة.
هذا
ما يجعل نظرة هذه الغرفة –
مجلس الأمة –
وقراءتها للقوانين مغايرة لنظرة وقراءة
الغرفة الأولى وهو أمر يخدم هذه القوانين في
حد ذاتها باعتبار أن عملنا ينصب على إعادة
قراءتها ومراجعتها مما يجعلها أكثر تنقيحا
وسلامة شكلا ومضمـونا وممارسة وتطبيقا.
ولكن
هذا الطرح لم يفهمه البعض وراح يخوض في مسألة
أحقية مجلس الأمة في تعديل القوانين، بحيث
يرى البعض أن حق التعديل مكفول دستوريا لمجلس
الأمة في حين يرى البعض الآخر عكس ذلك وأنا من
الذين يرون بأن غرفتنا هذه تملك حق التعديل
ولكن بطريقة غير مباشرة وفق ما نفهمه من روح
نص القانون العضوي الذي يحدد تنظيم المجلس
الشعبي الوطني ومجلس الأمة وعملهما وكذا
العلاقات الوظيفية بينهما وبين الحكومة،
الذي صادقنا عليه منذ أيام قليلة خلت والذي
ينص على تشكيل اللجنة المتساوية الأعضاء التي
تتكفل بالنظر في أحكام القوانين ونصوصها التي
تكون محل خلاف بين الغرفتين ومن هنا يمكن
لأعضاء مجلس الأمة تقديم مقترحاتهم في هذا
الشأن ويعد ذلك في رأينا وجها من أوجه التعديل
المكفول لغرفتنا بطريقة جديدة غير تقليدية،
وأنا أعتبر شخصيا أن هذه المنهجية
الجديدة في التعديل أرقى وأحسن خاصة في ظل
الظروف الراهنة والتجربة البرلمانية الجديدة
التي تشهدها بلادنا.
وأود
توضيح مسألة أخرى، دائما في نفس السياق،
أسالت الكثير من الحبر وهي تتعلق بما أطلعتنا
به الصحف من وجود خلاف ومنافسة بين الغرفتين
مما جعل الغموض يكتنف دورنا في هذه الغرفة مع
أنني كنت قد شرحت وأوضحت ذلك منذ البداية،
فقلت بأن هذه الغرفة لا تمثل سدا يمنع تمرير
القوانين وفي نفس الوقت لا يمكن أن تكون مجرد
غرفة تسجيل هذه القوانين وفقط واستعملت
لتوضيح ذلك مصطلحا غير مستعمل في البلدان
العربية حيث قلت بأن غرفتنا عبارة عن ما يمكن
تسميته بقناة تصفية (ECLUSE)،
فليس دورنا أن نرفض القوانين التي تحال علينا
وكذلك ليس دورنا أن نكتفي بمجرد أن نقول "نعم"،
فإذا كان ذلك فلا أرى جدوى من إيجاد هذه
المؤسسة الدستورية مع الإشارة إلى أننا في
مكان تاريخي يعود إلى الفترة الاستعمارية، إذ
كانت سياسة الاستعمار الفرنسي قـائمة على مـا
سـمي بـ "البـني ويـوي" (Le
Beniouiouisme)
ولكن هذه السياسة ماتت هنا في هذا المكان على
إثر لائحة الـ 61 في جانفي 1955، وعليه لا يمكن
لهذه الغرفة أن تكون مجرد غرفة "بني ويوي"
وإنما يكمن دورنا في المشاركة الفعالة في
دراسة القوانين وإعادة قراءتها ومراجعتها
وتقديم نقد بناء وموضوعي حولـها. فقد صادقـنا
على 17 نص قانوني وقدمنا احترازات على مادة
واحدة في قانون وربما كان ذلك بسبب خطأ في
عملية حساب النصاب، وبعض المواد في قانون آخر
وفقط، وبالتالي نلاحظ أن الديمقراطية التي
نريد بناءها في هذه البلاد هي ديمقراطية
بناءة من خلال مشاركتنا الفعالة مع الغرفة
الأولى وأداء دورنا وفق الخصوصيات التي منحنا
إياها الدستور.
ويشهد
التاريخ على أن التجربة البرلمانية الجديدة
التي تعيشها الجزائر اليوم، فريدة من نوعها
من حيث التمثيل والأداء وهو ما شرحته للوفود
الأجنبية التي استقبلناها في مجلسنا هذا إذ
أوضحت لها أن التمثيل في الغرفة الأولى – المجلس الشعبي
الوطني –
مبني على أساس الأشخاص والسكان والتمثيل
النسبي وهو أمر رفضت العمل به حتى الدول التي
لها تجربة طويلة وكبيرة في الديمقراطية لما
يؤدي ذلك من إيجاد ما يسمى بـ "غرف لا يمكن
حكمها" (Des
Chambres ingouvernables )
في حين أن القيادة السياسية لبلادنا تريد
وترغب في أن تكون كل الشرائح والحساسيات
ممثلة في هذه الغرفة وهو ربما ما أنتج بعض
الصعوبات لزميلي السيد عبد القادر بن صالح،
رئيس المجلس الشعبي الوطني، في إدارة الحوار
والنقاش المفعمين بالحماس والارتباط الحزبي
داخل غرفته ونحن نقدر حجم مسؤوليته ونتضامن
معه في كل ذلك. فنحن، في مجلس الأمة لا توجد
عندنا مثل هذه الأمور بحكم أن التمثيل لدينا
مبني على أساس التقسيم الإقليمي، ومعلوم أن
بلادنا واسعة من حيث المساحة ولكن توزيع عدد
السكان والثـروات الطبيعة غير متوازنين مع
هذه الشساعة.
وعليه
يتوجب تصحيح ديمقراطية الأشخاص هذه
بديمقراطية التقطع الإقليمي لإيجاد التوازن
بين كل ذلك بحيث نجد مثلا أن محافظة الجزائر
الكبرى لها نفس التمثيل مع ولاية أدرار
بـالرغم من اختلافهما من حيث عدد السكان
ووفرة الثروات الباطنية مما يسمح بإيجاد نوع
من العدالة والتوازن بين الأشخاص والنواحي أو
المناطق، فنصحح بذلك عيوب الطبيعة ونعمل على
إيجاد التضامن بين جميع أنحاء الجزائر.
وأتوجه
إلى السيد المحترم عبد القادر بن صالح، رئيس
المجلس الشعبي الوطني، لأقول بأن استكمال
الثقافة البرلمانية يتطلب حضور أشغال غرفتكم
الأولى وكذا غرفتنا، ذلك أن غرفتكم تتميز
بنوع من الحماس وأحيانا الانفعالية وهذا شيء
طبيعي يعبر عن قوة وتقدم الديمقراطية في هذه
البلاد ونحن نفتخر به خاصة في ظل ظروفنا
الصعبة، حيث أعرف الكثير من الدول
الديمقراطية التي أوقفت مسارها الديمقراطي
حين أصابها ما أصابنا في الجزائر ولكننا نحن
رغم كل ذلك ندعو إلى تعميق الحوار والمناقشة
والاختلاف في الآراء وهذا لا ينفي وجود بعض
الانحرافات التي نعتبرها ثمن الديمقراطية
ودروسا نتعلمها على طريق هذه الديمقراطية.
فإذا كان هذا هو الأمر بالنسبة لغرفتكم، فهو
مختلف لدى غرفتنا حيث التعقل والتريث وربما
يعود ذلك إلى طبيعة الانتخاب التي تمنح حماية
أكثر لتجنب الوقوع في الانحرافات الشعبوية
والسياسة السياسوية لعضو مجلس الأمة من
النائب في المجلس الشعبي الوطني وكذلك من حيث
طريقة ومنهجية العمل التي تؤدي في النهاية
إلى التكامل بين الغرفتين وتشّرف
الديمقراطية التي نسعى إلى ترسيخها في هذه
البلاد.
وفي
ختام هذه الملاحظات والأفكار المبعثرة (éparses)،
أود القول بأن تجربة سنة من عملنا تدعونا إلى
التفاؤل بمستقبل الديمقراطية في هـذه البلاد
ويجب إعطاء الوقت للوقت لنتمكن من السير
بسرعة أكبر أو كما يقال بسرعة الطواف (vitesse
de croisière) ولكن
إذا قارنا أنفسنا بالدول ذات التجربة
الديمقراطية الطويلة فنجد أننا نسير بسرعة
كبيرة وقد قلت ذلك لسفير دولة صديقة تربطنا
معها علاقات تاريخية، جاءني في زيارة، حيث
قلت له بأننا نتابع باهتمام المسيرة السياسية
لبلادكم وإذا عقدنا مقارنة في مجال الإعلام – وقد يكون الكثير
منكم قد شاهد أمس فيلما حول تاريخ التلفزة (ARTE)
خلال 20 سنة الأخيرة –
مع تجربتنا في مجال حرية الـتعبير والكلام،
فسنجد أننا نقطع خطوات أسرع من هذا البلد.
وحتى
الآن إذا أجرينا مقارنة بين باريس والجزائر
من حيث عدد السكان ومستوى المعيشة وعدد
الجرائد الموجودة عندنا والموجودة في باريس
فسنجد أننا نمشي بطريقة أسرع.
ونحن
عندما نقارن مسيرتنا الآن مع الغير يجب أن
نقارنها ببداية مسيرة هذه الدول في التجربة
الديمقراطية، فقد شاركت منذ شهور بموسكو في
الاحتفال بمرور مائة سنة على تأسيس الاتحاد
البرلماني الدولي ولا يمكن أن نقارن مثلا
تجربة لها مائة سنة مع أخرى لها سنتين فقط وهو
الخطأ الذي يرتكبه البعض أحيانا.
ولكن
أقول إن المقارنة في المكان والزمان تؤدي بنا
إلى التفاؤل وأنا متأكد أن مصادقتنا على
القانون العضوي الذي يحدد العلاقات بين
الغرفتين وبينهما وبين الحكومة قد منحتنا
أسلوبا وأسلحة للعمل بكيفية جدية أكثر،
وأتمنى أن نبرهن على ذلك في الدورة القادمة.
هناك
أمر آخر سمعت به وأردت الحديث عنه، فقد قلت
سابقا نحن مخبر للديمقراطية، وربما لم يفهم
البعض كلمة مخبر. فالمخبر تجري فيه التجارب
ومن 20 تجربة مثلا قد لا تنجح 18 منها، غير أن
هذه الأخيرة تمثل دروسا تؤدي إلى النجاح
لاحقا وكلنا نتعلم الديمقراطية. وهناك أسئلة
مطروحة علينا لم نلق لها جوابا مقنعا مثل كيف
نكون في هذه الغرفة أوفياء للحزب الذي رشحنا
وبه نجحنا ووصلنا إلى هذه الغرفة وفي نفس
الوقت نكون أوفياء للدستور والنظام الداخلي
لهذه الغرفة؟ إذا كان وفاؤنا يكون للحزب فقط
فإن القرار الذي يتخذ في الغرفة الأولى سيكون
هو نفسه الذي سيتخذ في الغرفة الثانية لأن
القوات (الأغلبية) هي نفسها المتواجدة في
الغرفتين، وهنا يطرح التساؤل حول الاختلاف
الذي يمكن أن يكون بين الغرفتين وبين أعضاء
حزب واحد؟ إن هذا الاختلاف يجب أن يكون بنّاء
ولصالح الفائدة العليا للبلد، وهذا السؤال
مطروح علينا كلنا، لأن التكرار الآلي في
الغرفة الثانية للتصويت الذي يجري في الغرفة
الأولى يدفع إلى التساؤل حول جدوى هذه الغرفة.
إذن
السؤال المطروح علينا هو كيف نكون أوفياء
للحزب وفي نفس الوقت للدستور؟ إن الجواب
يتطلب بحثا وممارسة مستمرة وجهدا كبيرا، ونحن
في مرحلة تربية، نربي أنفسنا على تجربة جديدة
جدا.
أنا
في عمري الآن 71 سنة، وقد يظن البعض عندما أطرح
فكرة معينة، أنني أدافع عن نفسي. لقد قلت هنا
إن المجلس لا يسمى مجلس الشيوخ (SENAT)،
بل هو مجلس الأمة، وهي الحقيقة، وحتى فرنسا
بعد الحرب العالمية الثانية غيرت تسمية مجلس
الشيوخ بمجلس الجمهورية. ونحن إذا أطلقنا
تسمية مجلس الشيوخ فإننا لا نكون بذلك قد
فهمنا تماما مضمون الدستور، لأن المراد
بالمجلس الشعبي الوطني هو مفهوم الشعب
والمراد بمجلس الأمة هو مفهوم الأمة، ومفهومي
الشعب والأمة يجب أن يتكاملا، وهذا يدفعنا
إلى التفكير في كيفية خلق تضامن حقيقي في هذا
البلد.
وأذكر
هنا أنه بفضل هذا التضامن تحملنا في هذه
الغرفة بالذات مسؤولياتنا في 28 سبتمبر 1962 حيث
بقي آنذاك يومين فقط على حـلول السنة
الـدراسية، فبالرغم من أن الـخزينة كانت
فـارغـة - ويمكن مراجعة اتفاقيات ايفيان
للتأكد من ذلك - كما أن الخزينة العمومية
الجزائرية كانت ستنشأ في 01 جانفي 1963 والبترول
آنذاك لم يـكن سـعره 40 دولارا بل 1.46 دولار
للبرميل وإمكانياتنا آنذاك لم تكن تسمح لنا
بتغطية أكثر من 50%
من
إحتياجات هذا الدخول المدرسي إلا أننا تمكنا
من مواجهة هذه التحديات
الكبرى بروح عالية من التضامن بين الجزائريين
إذ يعد هذا الأخير سرا من أسرار نجاح ثورتنا
المظفرة، كما قررنا أيضا فيما يخص التعليم أن
يكون للجميع دون أي تمييز في جميع مناطق
البلاد، وأعتقد بالمناسبة أن المشاكل التي
تعيشها جامعاتنا اليوم مردها إلى تلك الفترة.
كما أولينا اهتماما كبيرا لقطاع الفلاحة، وكل
ذلك بإمكانيات متواضعة ولكن بعزيمة قوية وفي
ظل التضامن الوطني.
وخلاصة
القول هي أن عبقرية هذه الأمة عبر التاريخ
تفرض حتما أن يتم بناء هذه البلاد، وهي من
مسؤولية ومهام الغرفتين، المجلس الشعبي
الوطني ومجلس الأمة، لا محالة بالعدالة
والتضامن بين سكانها وبدونهما لا وجود لها
أساسا، فقد زارني بعض تلاميذ المدارس
الابتدائية مؤخرا لتهنئتي بمناسبة عيد الفطر
المبارك وأهدوا لي ميزانا صغيرا، فلما سألتهم
عن مغزى ذلك أجابوا بأنه يرمز إلى العدالة،
وهو فعل أثر في نفسي لما يحمل من دلالات كبيرة
على لسان أطفال صغار.
وأريد
بهذه المناسبة أن نذكّر أنفسنا بأنه يتحتم
علينا اليوم العمل بالتعاون مع إخواننا في
المجلس الشعبي الوطني لإعادة الأمل إلى
مجتمعنا وزرع روح الأخوة والتضامن فيه.
أعود
إلى الحديث عن تسمية مجلس الأمة بـ (SENAT)
التي تعني مجلس الشيوخ وأنا شخصيا لا أعتبر
نفسي شيخا، فلم تؤثر علي الشيخوخة
إذ يتطلب الأمر منا اليوم تعاون الصغار مع
الكبار على خير هذه البلاد وكما يقال إن شرغوف
(têtard)
اليوم سيصبح ديناصور (dinosaure)
الغد!
فنحن كنا شبابا ولو لم نكن كذلك ما صرنا
اليوم كبارا. وقد تم تحديد سن العضوية في هذه
الغرفة بأربعين سنة وذلك ربما لإعداد المكان
لإخواننا أعضاء المجلس الشعبي الوطني
لمواصلة مسؤولياتهم فيها.
إن
المناسبة التي تعيشها بلادنا اليوم
والمتمثلة في الإعداد للانتخابات الرئاسية
المسبقة تفرض علينا كمجلس أمـة ومجلس عقلاء
مسؤوليات خاصة ألا وهي تهذيب قواعد هذه
اللعبة السياسية وتوجيهها أحسن توجيه لكيلا
تتحول إلى حرب بين الرجال بل تكون منافسة
سياسية شريفة في ظل احترام الانتماء السياسي
والحزبي والبرامج الانتخابية وقد دعا السيد
رئيس الحكومة، من على هذا المنبر منذ يومين،
الجميع إلى جعل هذه المناسبة فرصة لإثراء
الحياة السياسية للبلاد بما يخدم مصالح
واهتمامات شعبنا تأكيدا لتوجيهات فخامة
السيد رئيس الجمهورية.
وأستطيع
القول بأنني جد مسرور لما لاحظته من كون أن
اختلاف الانتماءات السياسية والحزبية داخل
هذه الغرفة لم يؤثر بتاتا على مسار الوضع
السياسي الحالي للبلاد والتوجه العام نحو
الانتخابات الرئاسية المسبقة وبالتالي
يمكننا وصفها بالانتماء الحضاري والالتزام
الديمقراطي النزيه.
وهذا
يعد درسا من دروس الثقافة الديمقراطية التي
نحن نربي أنفسنا عليها تدريجيا وأنا شخصيا لا
أزعم أنني ديمقراطي فما أزال أتعلم وأكوّن
نفسي على هذه الثقافة مع العلم أنني تربيت
وتكوِّنت في حزب سري تسوده المركزية والطاعة
والانضباط. وتعد هذه الانتخابات الرئاسية
المسبقة فرصة لترسيخ ثقافة ديمقراطية جديدة
في هذه البلاد بعيدا عن الأفكار البالية
والقديمة.
لن
أطيل عليكم كثيرا وأجدد شكري مرة أخرى
لـضيوفنا الكرام مع تمنياتي بأن تتكرر مثل
هذه المناسبة لنلتقي فيها مع بعضنا البعض في
جو أخوي.
طبقا
لأحكام الدستور واستنادا إلى النظام
الداخلي، أعلن رسميا عن اختتام الدورة
العادية الثانية لمجلس الأمة لسنة 1998 وأطلب
مراسيم الاختتام وشكرا.
(تصفيق)
مراسيم
الاختتام:
-
تلاوة سورة
الفاتحة
-
عزف النشيد
الوطني
رفعت الجلسة في الساعة الحادية عشرة
والدقيقة العشرين صباحا.