مجلس الأمة يعقد جلسة عامة، برئاسة السيد عزوز ناصري، رئيس مجلس الأمة، لعرض ومناقشة نص القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر
19 يناير 2026
عقد مجلس الأمة، اليوم الاثنين 19 جانفي 2026، جلسة عامة برئاسة السيد عزوز ناصري، رئيس مجلس الأمة، بحضور ممثل الحكومة، السيد عبد المالك تاشريفت وزير المجاهدين وذوي الحقوق، والسيدة نجيبة جيلالي، وزيرة العلاقات مع البرلمان، خُصصت لعرض ومناقشة نص القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر.
في مستهل الجلسة، أحال السيد رئيس مجلس الأمة الكلمة إلى ممثل الحكومة، السيد عبد المالك تاشريفت، وزير المجاهدين وذوي الحقوق ، الذي قدّم عرضًا حول نص القانون، أكد فيه، أن اقتراح القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر يندرج في صميم الواجب الوطني والأخلاقي، ويجسّد خطوة نوعية لتعزيز المنظومة التشريعية الوطنية المكلفة بحماية الذاكرة الوطنية، مشددًا على أن التذكير بالجرائم الاستعمارية ليس مجرد استحضار للماضي، بل مسؤولية تاريخية بالنظر إلى فظاعة ما ارتُكب في حق الشعب الجزائري من قتل وتهجير وتعذيب ومصادرة للأراضي وطمس ممنهج لمقومات الهوية الوطنية، وآثارها المادية والنفسية والبيئية المستمرة إلى اليوم، مؤكّدًا أن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم وفق المواثيق الدولية ولا يمكن طيّها دون اعتراف صريح ومسؤول. وأبرز أن هذا النص يعكس تمسّك الدولة الجزائرية، بقيادة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، بصون ذاكرتها الجماعية وحماية سيادتها التاريخية، ويكرّس حق الشعب الجزائري غير القابل للتصرف في العدالة والإنصاف، من خلال المطالبة بالاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، باعتبار ذلك أساسًا لبناء علاقات قائمة على الحقيقة والاحترام المتبادل، كما أوضح أن اقتراح القانون يتضمن سبعة وعشرين مادة موزعة على خمسة فصول، خُصص الأول منها للأحكام العامة وتحديد الهدف والطبيعة القانونية لجرائم الاستعمار باعتبارها لا تسقط بالتقادم، فيما عالج الثاني مختلف الجرائم الاستعمارية في أبعادها المادية والمعنوية والإنسانية، وتناول الثالث مسؤولية الدولة الفرنسية وآليات المطالبة بالاعتراف والاعتذار، بينما خُصص الفصل الرابع لتجريم كل أشكال تمجيد أو ترويج الاستعمار الفرنسي حمايةً للذاكرة الوطنية، على أن يتضمن الفصل الخامس الأحكام الختامية، مبرزًا أن هذا المقترح لا يمثل مجرد نص تشريعي، بل وفاءً لتضحيات الشهداء ولبنة أساسية في مسار إنصاف الذاكرة الوطنية وترسيخ العدالة التاريخية للأجيال الحاضرة والمستقبلية.
عقب ذلك، أحال السيد رئيس مجلس الأمة الكلمة إلى مقرر لجنة الدفاع الوطني، السيد بوسدارية فيصل ،الذي تلا التقرير التمهيدي المعدّ من قبل اللجنة، حيث أوضح أن هذه الأخيرة ترى أننص القانون المتعلق بتجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر يندرج ضمن المسعى الوطني السيادي الذي أرساه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، الرامي إلى صون الذاكرة الوطنية وحمايتها من كل محاولات الطمس والتزييف، وترسيخ الحقيقة التاريخية لجرائم الاستعمار باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الوعي الجماعي للأمة، كما أكد ان اللجنة ثمّنت مبادرة نواب المجلس الشعبي الوطني باقتراح هذا النص، معتبرة إياه فعلًا تشريعيًا سياديًا يعكس ممارسة الدولة لحقها الأصيل في حماية ذاكرتها الجماعية وتكريس سيادتها القانونية والتاريخية، ونقل الذاكرة من مجرد مطلب أخلاقي ورمزي إلى التزام قانوني ومؤسساتي صريح، غير أنها سجّلت، في الوقت ذاته، بعض التحفظات على أحكام النص، لاسيما ما تعلق بمسألتي التعويض والاعتذار، معتبرة أن إدراجهما لا ينسجم مع التوجه الذي حدّده رئيس الجمهورية والقائم على المطالبة بالاعتراف الصريح بالجرائم الاستعمارية باعتباره جوهر المسؤولية التاريخية والقانونية، دون ربط ذلك بمطالب التعويض أو الاعتذار، داعية إلى إعادة ضبط بعض الأحكام وتحسين صياغتها بما يعزز تماسك النص وحصافته ويضمن انسجامه مع المقاصد السيادية التي أُعد من أجلها.
استكمالا لأشغال الجلسة، فُتح باب النقاش أمام السيدات والسادة أعضاء مجلس الأمة، والتي انصبت حول مدى استيفاء إعداد اقتراح القانون لمتطلبات الدراسة المعمقة والتشاور القانوني والمؤسساتي، وأخذ الانعكاسات المحتملة لاعتماده ضمن مقاربة استباقية تحصّن القرار السيادي، إضافة إلى ضرورة مواءمته مع قواعد القانون الدولي الجنائي، لاسيما من خلال إدراج جريمة الإبادة صراحة، وتكريس مبدأ عدم تقادم الجرائم الاستعمارية بما يشمل مختلف أشكال الضرر، ومنها البيئية والصحية والمعنوية. كما تساءل الأعضاء عن وضوح مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية دون الخلط مع مفاهيم الاعتذار السياسي، وغياب تعريف قانوني دقيق لمفهوم الاستعمار، ومخاطر التأويل القانوني لبعض الأحكام، فضلاً عن مدى كفاية الأساس القانوني لتحريك آليات المساءلة الدولية. وأكدت المداخلات أهمية إدراج التزام صريح بصون الذاكرة الوطنية عبر المنظومات التعليمية والتكوينية والإعلامية، وضرورة التفكير في استحداث هيئة وطنية دائمة للذاكرة تتولى التوثيق والمتابعة، مع إبراز الطابع الوقائي للقانون كأداة لحماية الوحدة الوطنية ومنع توظيف التاريخ للمساس بالاستقرار أو السيادة، بما يعزّز فعالية النص ويضمن تماسكه واستدامته المؤسسية.
بعد ذلك ، فتح المجال لرؤساء المجموعات البرلمانية للتدخل ، حيث أكد السيد عصام نشمة، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب جبهة المستقبل، أن مناقشة قانون تجريم الاستعمار تمثل لحظة سيادية فارقة، معتبرًا أن هذا القانون ليس نصًا عاديًا ولا موقفًا ظرفيًا، بل خيارًا سياديًا نابعًا من مسؤولية دستورية ووفاء لرسالة الشهداء، ومنسجمًا مع التوجه الوطني لصون الذاكرة، موضحًا أن الجزائر انتقلت من الإدانة الخطابية إلى المساءلة القانونية والتشريع للذاكرة عبر تثبيت توصيف الاستعمار كـجريمة دولة لا تسقط بالتقادم، تشمل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية وطمس الهوية، وأن تجريمه يعني تجريم تبريره وتمجيده وإنكار جرائمه، مع تأكيد انخراط المجموعة في روح القانون، والتحفظ على بعض الصياغات، والتشديد على الدور المحوري للجيش الوطني الشعبي، والتأكيد على أن الجزائر لا تطلب الاعتذار بل الاعتراف، وتبني مستقبلها على التشريع والوضوح والسيادة.
اما السيد بطاهر لزرق رئيس المجموعة البرلمانية للأحرار فقد أكد على أن نص قانون تجريم الاستعمار الفرنسي خيار سيادي يمسّ الذاكرة الوطنية ووفاءً لرسالة الشهداء، مشددًا على أن الاستعمار الاستيطاني كان جريمة دولة خلّفت مجازر وتهجيرًا وتعذيبًا وطمسًا للهوية، إضافة إلى الجرائم الممتدة كالتجارب النووية والألغام، موضحًا أن تجريم الاستعمار يهدف إلى تثبيت الحقيقة التاريخية قانونيًا وحماية الذاكرة من التزييف، وأن الجزائر لا تطلب تعويضًا ماديًا بل اعترافًا رسميًا بالجرائم، مع التأكيد على دعم المجموعة للمشروع والدعوة إلى تحسين صياغته دون المساس بروحه السيادية، والتشديد على أن الجزائر قادرة اليوم على الدفاع عن ذاكرتها بالتشريع والموقف والدبلوماسية.
من جهته، أوضح السيد عبدالرحمان قنشوبة، رئيس المجموعة البرلمانية للتجمع الوطني الديمقراطي، أن قانون تجريم الاستعمار الفرنسي يمثل موعدًا مع التاريخ وموقفًا سياديًا، واستكمالًا لرسائل نوفمبر المجيدة عبر حفظ الذاكرة الوطنية بالتشريع وصون عهد الشهداء بالقانون، مشددًا على أن الاستعمار كان وسيظل مُجرَّمًا بما ارتكبه من قتل وتهجير وتدمير ومحو ممنهج، وأن هذا القانون هو جواب الدولة والقانون والسيادة بعد جواب الثورة، جوابٌ يُقرّ مسؤولية تاريخية وقانونية لا تسقط بالتقادم، ويؤكد أن ذاكرة الشعب الجزائري حية، وأن دماء الشهداء ليست مادة للنسيان ولا ملف الذاكرة قابلًا للمساومة.
السيد محمد الهاشمي دبابش، رئيس المجموعة البرلمانية لحزب جبهة التحرير الوطني بالنيابة، أكد بدوره على أن قانون تجريم الاستعمار يشكّل منعطفًا سياديًا حاسمًا في تاريخ الدولة الجزائرية، ويُعد وثيقة تحمي الذاكرة الوطنية، منسجمًا مع بيان أول نوفمبر 1954 واستكمالًا لمسار الثورة، مبرزًا أن الاستعمار الفرنسي كان مشروعًا استيطانيًا خلّف مجازر وطمسًا للهوية ولا تزال آثاره قائمة، لاسيما التجارب النووية والألغام، ما يجعل تجريمه ضرورة قانونية وأخلاقية، ومؤكدًا رفض تمجيد الاستعمار أو الوصاية على تاريخ الجزائر، والدعوة إلى الاعتراف الصريح بالجرائم واسترجاع الأرشيف وجماجم الشهداء، مع إعلان تعامل المجموعة مع النص بروح المسؤولية لتحسين صياغته وتحصينه قانونيًا، انسجامًا مع الموقف السيادي القائم على الاعتراف دون تعويض أو اعتذار وحماية الذاكرة وتجريم الإنكار.
كما عبر رئيس المجموعة البرلمانية للثلث الرئاسي، السيد ساعد عروس، على أن نص قانون تجريم الاستعمار يشكّل فعلًا سياديًا وشهادة دولة تهدف إلى نقل ملف الذاكرة إلى منطق المسؤولية القانونية دون منطق الخصومة أو التعويض المادي، مبرزًا أن الاستعمار الفرنسي كان مشروعًا استيطانيًا ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية شملت القتل والتعذيب والإخفاء القسري والتجارب النووية ذات الآثار العابرة للأجيال، وهي جرائم لا تسقط بالتقادم، ومشددًا على أن نص القانون يُحمّل الدولة الاستعمارية مسؤوليتها القانونية والأخلاقية ويكرّس حصرية مطلب الاعتراف الرسمي بالجرائم، مع الإشادة بالدور الإفريقي والدولي الذي تقوده الجزائر في ملف الذاكرة وبجهود رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون في استرجاع رفات الشهداء والمطالبة بالأرشيف، والتأكيد على أن النص قابل للتحسين بما يعزّز مناعته القانونية ويحفظ المصالح العليا للدولة.
في ختام الجلسة ، أكد السيد وزير المجاهدين وذوي الحقوق في رده على السيدات و السادة أعضاء مجلس الأمة ،أن المداخلات التي قدّموها حول نص قانون تجريم الاستعمار عكست وعيًا وطنيًا عاليًا وإحساسًا عميقًا بالمسؤولية التاريخية في صون الذاكرة الوطنية، مثمنًا الملاحظات والاقتراحات الرامية إلى تحسين صياغة النص وتعزيز انسجامه وقوته ليكون في مستوى الحدث وجسامة الموضوع، ومبرزًا أن هذا القانون ليس نصًا تشريعيًا عاديًا بل يحمل بعدًا وطنيًا عميقًا ويشكّل خطوة مفصلية في تثبيت الذاكرة ضمن منظومة قانونية تحصّن التاريخ وتكرّس الاعتراف والإنصاف لضحايا الجرائم الاستعمارية، مؤكدًا أن قضية الذاكرة ليست شأنًا ظرفيًا ولا موضوعًا عابرًا بل حق تاريخي ووجدان أمة غير قابل للنسيان أو التنازل، وأن مساهمات أعضاء المجلس ستسهم في تعزيز النص بما يخدم غايته النبيلة ويكرّس الوفاء للشهداء ويصون الذاكرة الوطنية.
جدير بالذكر، ان لجنة الدفاع الوطني لمجلس الأمة، تعكف على إعداد التقرير التكميلي حول النص، في أفق عرضه خلال الجلسة المخصصة لتحديد الموقف منه، والمزمع عقدها يوم الخميس 22 جانفي 2026.